واجب البت في فترة معقولة

19 ديسمبر,2015

يطلق مصطلح البتّ في فترة معقولة على الوقت الممنوح للمحكمة قانونا أو عرفا للبتّ بشكل نهائي في نزاع معروض أمامها ( Raymond Guillien – Jean Vincent et d’autres  Lexique des termes juridiques p 186-187) ويشار إلى أنّ الحقّ في البتّ في فترة معقولة أصبح  من الحقوق الأساسية المعترف بها للمتهم والمتقاضي وهذا ما يترجمه تقرير هذا المبدإ من طرف كثير من المواثيق الدولية والإقليمية وكذا مختلف القوانين الوطنية وملاحظات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان واجتهاد محاكم الاتحاد الأوربي ولأن اجتهادات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان تعتبر رائدة نسبيا في هذا المجال سنبدأ الموضوع باستعراض مضمونه عبر تطبيقاتها العملية له انطلاقا من بعض قراراتها التي يستخلص منها اعتمادها في تقدير الفترة المعقولة للبتّ معايير متعدّدة تأخذ في الحسبان:

-الوضعية الصحية للمتقاضي في تقدير البتّ في فترة معقولة حيث ترى أنّه يجب أن تأخذ المحكمة بعين الاعتبار الظروف الصحية للمريض المصاب بفقدان المناعة المكتسبة أو بالكبد القاتل فاعتبرت أن ثمانية عشر شهرا تتجاوز الفترة المعقولة التي يجب أن يبت فيها في قضيته

-الظروف الاجتماعية للمتقاضي كما هو الحال في قضايا العمال (:Serge Guichard et Cécile Chainais et d’ autres Droit processuel droits fondamentaux du procès p 976 et suivant)

-وجوب تنظيم الدولة لإجراءات التقاضي أمام محاكمها بطريقة تجعلها تحترم مبدأ واجب البتّ في فترة معقولة وهذا ما يتضح من خلال القرارين (Poelmans c / Belgique et Leonardi c  / Belgique) اللذين صدرا بتاريخ:03/02/2009 عن هذه المحكمة  وبالتالي لا محلّ للتذرع بأنّ كثرة القضايا وتعقد الكثير منها جعلتها تغمر المحاكم ولا تتمكن من تطبيق واجب البتّ في فترة معقولة ذلك أنّ الدولة ملزمة بتوفير الوسائل المادية التي تسمح للقضاء بالبتّ في فترة معقولة بموجب الفقرة 6 من المادة:1 من الميثاق الأوربي المتعلق بنظام القضاة هذا مع أنّ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان تأخذ بعين الاعتبار تعقد القضية

-كما ذهبت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قرار صادر عنها بتاريخ:14/06/2001 تحت عنوان (Brochu c/ France) إلى أنّ قضاء القضية مدّة سنتين أمام محكمة النقض يعد مساسا بمبدإ البتّ في فترة معقولة

– ذهبت هذه المحكمة إلى أنّ المساس بمبدإ البت في فترة معقولة يتحقّق إذا وصلت مدّة الإجراءات الجماعية إلى خمس سنوات (Serge Guichard et Cécile Chainais op. cit. p 988)

– كما ذهبت ذات المحكمة في قرار صادر عنها بتاريخ:16/02/2002 تحت عنوان (Seguin c/ France) إلى أنّه يجب تقدير هذه الفترة انطلاقا من بداية الإجراءات حتى تلك المتعلقة منها بمحاولة المصالحة كما هو الحال عندنا بالنسبة لمحاولة الصلح التي يقوم بها مفتش الشغل  وحتى تنفيذ الحكم

-أن الإخلال بواجب البت في فترة معقولة لا يمكن أن يشكل منفردا سبب للإلغاء (Serge Guichard et Cécile Chainais op. cit. p 989)

-وأخيرا ذهب مجلس الدولة الفرنسي في قرار صادر عنه بتاريخ:28/06/2002 إلى أنّ الضرر الناتج عن التأخر عن البتّ في فترة معقولة مفترض انطلاقا من مجرّد التأخر عن البتّ في هذه الفترة  (Ibid. 989) ونشيد بهذا الاجتهاد لتقدمه انطلاقا من تعزيزه لصيانة مبدإ لم تتمكن فرنسا حتى فترة قريبة من احترامه ممّا تسبّب  في تعرضها لإدانات مستمرة من طرف محاكم الاتحاد الأوربي وهذا ما يتضح من خلال تطور مدّة التحقيق الإعدادي فيها من 6 أشهر سنة:1968 إلى 17 شهرا سنة:2000 بينما في إيطاليا مدّة التحقيق الإعدادي ستة أشهر ولا يمكن أن تتجاوز في مجموعها 16 شهرا (Jean Pradel  procédure pénale  . p  332) و يبدوا أنّ هذا المبدأ لم تخل مؤلفات فقهاء الشريعة الإسلامية من إشارات إليه كما أنّ تشريعنا الوطني عمل على تكريسه عبر تقريره بعدّة نصوص تشريعية تعود في معظمها إلى مصادره الدولية والإقليمية وسنتناول الحقّ في البتّ في فترة معقولة في مطلبي نخصص أولهما لمصادر هذا الحقّ أو الواجب في الشريعة الإسلامية والتشريع الوطني بينما نخصص الثاني منهما لآثار المساس به في كلّ منهما

المطلب الأول: مصادر واجب البتّ في فترة معقولة في الشريعة والتشريع الوطني

سنقسم هذا المطلب إلى نقطتين نتناول في أولاهما(α) مصادر حقّ البتّ في فترة معقولة في الشريعة الإسلامية بينما نخصص الثانية منهما (β) لمصادره في التشريع الوطني

α-مصادر واجب البتّ في فترة معقولة في الشريعة الإسلامية

تبنت الشريعة الإسلامية نظرية متقدمة في زمنها في ما يتعلق بتحقيق العدالة بفض الخصومات التي تنشأ بين أفراد الرعية في فترة وجيزة آخذة في الاعتبار أوضاع المسلمين واتساع رقعة الدولة الإسلامية وحجم رعاياها وقضاياهم بعين الاعتبار وهي أمور على علاقة وطيدة بالبتّ في فترة معقولة ويتضح ذلك ممّا يلي :

امن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضوان الله تعالى عليهم:حيث عملوا ليس على تقريب العدالة من الرعية وإنّما على تحقيق البتّ في فترة معقولة ويتضح ذلك من خلال:

1-أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعث القضاة إلى الأقاليم المسلمة

2-قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأحد الصحابة في وسط خلافته اكفني بعض القضايا( د/ محمد بن عبد الله بن محمد المرزوقي سلطة ولي الأمر في تقييد سلطة القاضي ص 95) وقوله لقاضيه أبي موسى الأشعري: (وانفذ إذا تبين لك الحق فإنّه لا ينفع تكلم بحقّ لا نفاذ له)

فهذه أمور تنمّ بشكل واضح ليس عن استهداف تقريب العدالة من المواطنين فحسب وإنّما أيضا البت في فترة معقولة مع أنّ تقريب العدالة من المواطنين غير بعيد من مبدإ البتّ في فترة معقولة

ب-من الفقه الإسلامي:ما يفهم من ظاهر بيتي ابن عاصم:

وليس بالجائز للقاضي إذا     لم يبد وجه الحكم أن ينفذا

والصلح يدعو له إن أشكلا   حكم وإن تعين الحقّ فـــــلا

ذلك أنّه وبمفهوم المخالفة للبيت الأول يظهر أنّ القاضي يجب عليه أن يحكم فور ظهور وجه الحقّ له بعد استكمال الإجراءات بمعنى أنّه يتعين عليه الحكم انطلاقا من مفاهيم الشريعة الإسلامية متى ظهر له أيّ من المدعي والمدعى عليه يجب أن يحكم عليه حتى أنّه لا يمكنه أن يدعو للصلح بعد ذلك كما هو واضح من نصّ البيت الثاني إلا في حالات قليلة جاءت في البيت تاليهما الذي هو:

ما لم يخف بنافذ الأحكام    فتنة أو شحنا أولي الأرحام

هذا بالإضافة إلى أنّ العمل على البتّ في فترة معقولة يستشف من قواعد فقهية عديدة منها:

– قاعدة:( لا ضرر ولا ضرار)

-قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)

ذلك أنّه يجب انطلاقا منهما البتّ في فترة معقولة فعدم البتّ في القضية بسرعة لغير داع بسببه تأخر البتّ يكون القاضي آثما ومستحقا للعزل لما يترتب على تأخير الأحكام من تعطيل لحقوق الناس ومصالحهم وبالتالي إضرارا بهم وهو ما لا يجوز شرعا لذلك ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنّ القاضي لا يمهل المدعى عليه أكثر من ثلاثة أيام أمّا المدعي فلم يروا التضييق عليه بينما ذهب المالكية إلى أنّ تحديد الآجال متروك لاجتهاد القاضي هذا بالنسبة للقاعدة الأولى أمّا بالنسبة للقاعدة الثانية فيجب انطلاقا منها عمل القاضي على البتّ في فترة معقولة انطلاقا من أنّه واجب لأنّ عكسه هو التراخي في منح الناس حقوقهم وبالتالي يجب على الدولة اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق مبدإ البتّ في فترة معقولة لأنّ البت في فترة معقولة في القضايا واجب (وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وهذا المذهب تمّ تقريره أخيرا من طرف الأوربيين كما سبقت الإشارة إلى ذلك أعلاه

β- مصادر الحق في البتّ في فترة معقولة في التشريع الوطني

لأنّ مبدأ واجب البت في فترة معقولة من المبادئ الأساسية لصيانة حريات وحقوق الأفراد كانت مصادره متعدّدة في التشريع الوطني فمنها ما هو دولي ومنها ما هو إقليمي وهذا ما سنتناول في(ᴵ) ومنها ما هو وطني بحت وهذا ما سنتناول في (ᴵᴵ)

ᴵ-المصادر الدولية والإقليمية لحقّ البتّ في فترة معقولة

صادقت موريتانيا على اتفاقيات دولية وإقليمية تكرس هذا المبدأ منها العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب

  • العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية: الذي جاء في البند (ج) من الفقرة الثالثة من المادة:14 منه أنّ المتهم يجب: (أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له،) ورغم أن الأمر هنا يتعلق بالمتهم فإنّ لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان طبقت هذه الفقرة في أمور مدنية وإدارية (Emmanuel Decaux et d’ autre le pacte international relatif aux droits civils et politiques commentaire article par article p 346 ) كما أنّ الفقرة الثالثة من المادة:9 من هذا العهد جاء فيها أنّه يكون من حقّ المتهم: ( أن يحاكم خلال مهلة معقولة)
  • الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب: الذي بعد أن نصت المادة:7 منه على أنّ حقّ التقاضي مكفول جاء في البند (د) منها أنّه بما في ذلك حق المتهم في المحاكمة خلال فترة معقولة وبواسطة محكمة محايدة

ᴵᴵ-المصادر الوطنية لحقّ البتّ في فترة معقولة من التشريع الوطني

تناثرت القواعد التي تنص –تصريحا أو تلميحا- على حقّ البت في فترة معقولة بين عدّة نصوص تشريعية وطنية يمكن التمييز فيها بين ما يتعلق من هذه النصوص بالمادة الجزائية وهذا ما سنتناول في  (ا) وبين ما يتعلق بالمجال المدني وهذا ما سنتناول في (ب)

ا-في المجال الجزائي: يجب التنبيه إلى أنّ ضرورة تطبيق مبدإ البتّ في فترة معقولة أكثر إلحاحا في المجال الجزائي نظرا لأنّه فيه:

  • تكون حرّيات الأشخاص وسمعتهم وربما أموالهم أيضا محل كثير من القيود والشكوك والتساؤلات ممّا يدفعهم إلى الرغبة في الإسراع إلى نزعها وهناك عدّة طرق لزرع السرعة في عمل القضاء الجزائي من بينها:

– زيادة عدد القضاة وكتاب الضبط والشرطة القضائية ويتعلق هذا الأمر بالسلطة السياسية لأنّه من الاختصاصات المعترف بها لها

– نزع الصبغة الجرمية عن عدد من الأفعال وبالتالي يؤدي تناقص الأفعال المجرمة إلى تناقص المجرمين ومن ثمّ السيطرة على القضايا بالبت بسرعة فيها انطلاقا من تقلص أعدادها وهذه المهمة من وظائف السلطة التشريعية لأنّ المشرع هو الذي من اختصاصه تحديد الأفعال التي تمس بمصالح المجتمع وتجريمها ووضع عقوبات على إتيانها

– تصور إجراءات تساعد على البتّ في القضايا المعروضة على المحاكم الجزائية بمختلف درجاتها بشكل سريع وهذا ما يدخل في مجال الإجراءات الجنائية(Jean Pradel procédure pénale p 330 )

  • ينتظر المجتمع من السلطات عادة إنزال عقوبة بشكل سريع وعادل بالمجرم ويكون هذا الانتظار أكثر حدّة عندما يتعلق الأمر بجرائم خطيرة تشغل الرأي العام وضرورة السرعة استجابة للمتطلبات السابقة هي ما يبرّر منح بعض التعويضات الزائدة على الراتب للقضاء الجزائي في كثير من الدول لأنّه يفرض عليه العمل بوتيرة عالية في كثير من الأحيان وهذا ما لاحظت انطلاقا من الممارسة في كلّ منهما (في الغرفة الجزائية باستئنافية أنواكشوط كنّا نعمل حتى ساعات متأخرة من الليل أثناء الدورات الجنائية بينما لم أنه الوقت الرسمي في نفس المحكمة في المجال المدني إلا نادرا)

وهذه الأمور مجتمعة لم تكن ولن تكون بعيدة في أيّ يوم عن اهتمام أيّ قضاء أو مشرع حقيق باسمه ويعمل في مجتمع يسوده التحضر الأمر الذي جعلها تثير انتباه المشرع الوطني في مراحل متعددة من وضع تشريعنا الوطني ويتضح ذلك من خلال حصره للمدد الزمنية التي يجب أن تبت فيها محاكم التحقيق وذلك في المراحل السابقة على الحكم في الأصل (ᴵ) كما   أنّه في حالات قليلة قرّر وجوب بتّ محاكم الأصل في القضية خلال أجل معين (ᴵᴵ) ونشير إلى أنّ مشرعنا عند أخذه للمادة التمهيدية من مدونة الإجراءات الجنائية الفرنسية حذف منها آخر الفقرة الأخيرة المتعلق بوجوب البت في فترة معقولة وهو حذف أرجو أن يكون غير مقصود

ᴵ-في طور التحقيق الإعدادي:تختلف المدّة التي يجب أن تبتّ فيها محاكم التحقيق باختلاف ما إذا كانت المحكمة المعنية:

  • -محكمة التحقيق الابتدائية أي قاضي التحقيق:بداية يجب التنبيه إلى أنّ المشرع عمل على ضرورة الإسراع في انجاز قاضي التحقيق لعمله المتمثل في إكمال التحقيق بسرعة عند ما يكون المتهم محبوسا على ذمة التحقيق وذلك بنصه في المادة: 139 من ق إ ج على أنّ هذا القاضي (… مسئول عن كل إهمال يمكن أن يؤخر بدون جدوى التحقيق ويطيل مدة الحبس الاحتياطي تحت طائلة التعرض لمخاصمة القضاة.) ويتعزز هذا بما ورد في المادة:199 من أنّه:(إذا وقع إخلال بحسن سير التحقيق من طرف قاضي التحقيق أو مس من حقوق المتهم أو الطرف المدني بسبب إهمال هذا القاضي أو عدم مراعاته لمقتضيات هذا الباب فلوكيل الجمهورية أن يحيل الملف إلى المدعي العام لدى محكمة الاستئناف ليقدم إلى غرفة الاتهام الطلبات الملائمة لكي تأمر باتخاذ كل الإجراءات التي تراها مناسبة.) كما أنّ قاضي التحقيق يخضع في إطار ممارسته لعمله لرقابة عامة يمارسها عليه رئيس هذه الغرفة تطبيقا للمادة:219 من ق إ ج التي جاء فيها: (يتأكد رئيس غرفة الاتهام أو من ينوب عنه من حسن سير غرف التحقيق التابعة لدائرة اختصاص محكمة الاستئناف التي يعمل فيها، ويعمل على أن لا تتأخر الإجراءات تأخيرا لا مبرر له…..) هذا بالإضافة إلى الرقابة التي يخضع لها من طرف المفتشية العامة للقضاء والسجون التي تراقب عمل جميع المصالح الإدارية والقضائية … الخاضعة لوصاية وزارة العدل حسب مقتضيات المادة:10 من ق ت ق والمادة:2 من المرسوم رقم:2006/34 المنظم لهذه المفتشية والمحدد لمعظم وظائفها وبخصوص موضوعنا أي الفترة التي يجب أن يبتّ فيها قاضي التحقيق وانطلاقا من نصّ المادتين:143-140 من ق إ ج فإنّه عندما يقدم المتهم أو دفاعه طلب إفراج إلى قاضي التحقيق يحيله فورا إلى وكيل الجمهورية الذي يجب عليه أن يقدم طلباته خلال ثمان وأربعين ساعة التالية لتسلمه للملف تطبيقا للمادة:140 ويبتّ قاضي التحقيق في الملف:

-خلال ثمان وأربعين (48) ساعة التالية لرجوع الملف من عند وكيل الجمهورية هذا إذا كان الطلب مقدما من طرف المتهم أو دفاعه

– خمسة (5) أيام من تقديم هذا الطلب إذا كان مقدمه وكيل الجمهورية تطبيقا للفقرة الثانية من المادة:142 من ق إ ج

وفي كلتا الحالتين إذا لم يبتّ قاضي التحقيق في الفترة المحددة جاز للمتهم أو محاميه رفع طلبهما مباشرة إلى غرفة الاتهام تطبيقا للمادة:143 من ق إ ج التي منحت لوكيل الجمهورية تعهيد غرفة الاتهام في نفس الظروف

  • غرفة الاتهام: وتعتبر غرفة الاتهام هي محكمة الاستئناف بالنسبة لقضاء التحقيق لذلك يطلق عليها في بعض التشريعات غرفة التحقيق ويمكن تعهيد غرفة الاتهام من طرف المتهم أو محاميه بإحدى الطرق التالية:

– تقديم طلب حرية مؤقتة إليها عند ما لا يبتّ قاضي التحقيق في طلب الإفراج المقدم إليه خلال ثمان وأربعين ساعة من رجوع الملف إليه من عند وكيل الجمهورية تطبيقا للمادة:143 ق إ ج عند ما يكون المتهم أو دفاعه هما من قدّم الطلب أو بعد خمسة أيام عندما يكون وكيل الجمهورية هو مقدمه تطبيقا للفقرة الثانية من المادة:142 ق إ ج

– طلب حرية مؤقتة في حالة ما لم تكن فيها أيّ محكمة تعهدت بعد بالموضوع تطبيقا للنقطة الثالثة من الفقرة الثانية من المادة:144 من ذات القانون

– استئناف قرار من قرارات قاضي التحقيق وعندما يقدم استئناف ضدّ أحد قرارات قاضي التحقيق فإنّ الملف يحال بدون مهلة إلى وكيل الجمهورية الذي يحيله إلى المدعي العام مرفقا برأي مسبّب طبقا للفقرة الأولى من نص المادة:188 من ق إ ج وتنص المادة:195 من ذات القانون على أنّه: (يتولى المدعي العام لدى محكمة الاستئناف تحضير القضية ويقدمها مع طلباته المكتوبة إلى غرفة الاتهام في ظرف ثمان وأربعين (48) ساعة، ابتداء من تسلمه للملف، في حالة الحبس الاحتياطي وفي ظرف ثمانية (8) أيام في جميع الحالات الأخرى.) وتنص المادة:201 من ق إ ج على أنّ غرفة الاتهام تصدر ( قرارها في ظرف الثمانية (8) أيام التالية لطلب المدعي العام لدى محكمة الاستئناف. غير أنه يمكن لها أن تؤجل القضية لمدة ثمانية (8) أيام جديدة وتطلب من المدعي العام والأطراف ومحاميهم جميع الإيضاحات والمبررات التي تراها مفيدة في هذه المدة.) وواضح أنّ سبب التمديد هنا هو ضرورة اطلاع المحكمة على أمور يمكن أن تطلب حولها إيضاحات وليس شيئا آخر ممّا يعني أنّها ليس لها التأجيل في حال ما إذا كانت القضية جاهزة للبتّ فيها وهذا ما يتضح منه في عمومه أنّ غرفة الاتهام يجب أن تبت في القضايا المنشورة أمامها خلال:

*ثمانية (8) أيام من تلقيها لرد الادعاء العام الذي يجب أن يقدم رده خلال ثمان وأربعين (48) ساعة، ابتداء من تسلمه للملف، في حالة الحبس الاحتياطي وفي ظرف ثمانية (8) أيام في جميع الحالات الأخرى وذلك بشروط منها:

– كون مقدم الطلب محبوسا على ذمة التحقيق

– كون القضية جاهزة لأن يبتّ فيها

أمّا في الحالات الأخرى فيجب أن تبت غرفة الاتهام خلال ستة عشر (16) يوما من وصول الملف إليها من طرف الادعاء العام هذا مع أن الفقرة الرابعة من المادة:170 من ذات القانون نصت على أنّها يجب أن تبت في طلبات إبطال إجراءات التحقيق المقدمة ممّن له تقديمها في ظرف خمسة أيام من تلقيها للملف الذي تطلبه مباشرة من قاضي التحقيق

ب- في طور الإحالة إلى محاكم الأصل: يمكن التمييز في هذا المجال بينما إذا كانت هذه المحاكم تعهدت بإجراء يتعلق بالبت في أصل القضية أو إجراءات أخرى مثل طلب إفراج  وذلك على النحو التالي:

*الفترة التي يجب أن تبت فيها محاكم الموضوع والغرفة الجرائية بالمحكمة العليا في حالة تعهيدها عن طريق طلب إفراج … أو طعن فيه أو في رفضه:

يشار إلى أنّ للمتهم طلب الإفراج وذلك في أيّ مرحلة من مراحل الإجراءات حسب نص المادة: 144 من ق إ ج ويقدم المتهم طلبه إلى:

رئيس الغرفة الجزائية (محكمة الجنح): ويمكن أن يطلب المتهم منه منحه حرية مؤقتة بعد إحالته إلى هذه الغرفة سواء من طرف وكيل الجمهورية في حالة التلبس بالجنحة تطبيقا للمادة:352 من ق إ ج أو بعد إحالته عليها من طرف قاضي التحقيق تطبيقا للمادة:179 من ذات القانون

-رئيس المحكمة الجنائية: بعد إحالته إليها من طرف وكيل الجمهورية في حالة التلبس بالجنائية تطبيقا للمادة:63 من ق إ ج أو بعد إحالته إليها من طرف قاضي التحقيق تطبيقا للمادة:181 من ذات القانون

-الغرفة الجزائية بمحكمة الاستئناف: سواء كان ذلك:

  • بسب استئناف قرار صادر عن رئيس الغرفة الجزائية أو رئيس المحكمة الجنائية
  • بمناسبة استئناف أحد الأحكام الصادرة في الأصل عن المحكمتين ذلك أنّه بعد صدور الحكم في الأصل من إحدى المحكمتين واستئنافه من طرف المحكوم عليه يكون له طلب منحه حرية مؤقتة من طرف الغرفة الجزائية
  • عند ما تكون هي آخر محكمة بتّت في الموضوع

كلّ ذلك تطبيقا للمادة:144 من ق إ ج ويشار إلى أنّ المادة: 144 نصت على أن رئيس المحكمة الجنائية يبت في الطلب في الظروف المعروفة لقاضي التحقيق وهذا ما يستنتج منه وجوب قياس رئيس الغرفة الجزائية (محكمة الجنح)عليه أمّا بالنسبة للغرفة الجزائية بمحكة الاستئناف فيمكن قياسها عليه من ناحية المدة التي يجب أن تبتّ فيها أو على الأكثر على غرفة الاتهام توخيا لوجوب الاسراع في البت

-الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا: تطبيقا للمادة:145 من ق إ ج في حالة منح غرفة الاتهام حرية مؤقتة لمتهم متابع ( بسبب القتل العمد أو المتاجرة بالمخدرات أو الإرهاب أو جمعيات الأشرار أو المتاجرة بالبغاء أو الاغتصاب أو نهب الأموال أو بسبب جريمة مرتكبة من طرف عصابة منظمة.) فإنّ الطعن بالنقض يوقف تنفيذ قرار غرفة الاتهام  (وفي جميع الحالات فإن الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا ملزمة بالبت خلال ثلاثة أشهر من تاريخ توصلها بالطعن . وعند انقضاء هذا الأجل دون البت فإنّ السجين يفرج عنه فورا)

* في حالة بتّ محاكم الحكم في أصل القضية: حدّد المشرع عدّة حالات يجب فيها على محاكم الموضوع في المادة الجزائية أن تبت خلال فترة معينة في أصل القضية وتختلف الوضعية حسب حالات منها:

  • بالنسبة لمحاكم الدرجة الأولى: لم تحدّد مدّة زمنية يجب أن تبت فيها هذه المحاكم خارج حالات محدودة منها على سبيل المثال لا الحصر:

حالة التلبس بالجناية والجنحة: في حالتي التلبس يجب على المحكمة الجنائية ومحكمة الجنح أن تحاكم الشخص المتهم خلال شهر من مثوله أمام وكيل الجمهورية طبقا للمواد: 63-225 -64 و355 هذا إذا كان صدر في حقّ المتهم أمرا بالإيداع أمّا إذا لم يكن المتهم معتقلا فلم يحدّد المشرع أجلا للبتّ في القضية

حالة جرائم الجلسات: تطبيقا للمادة:611 فإن جرائم الجنح والمخالفات المرتكبة في الجلسات يحكم فيها فورا أمّا إذا كانت جناية فتنص المادة:612 على أنّه تحرّر محاضر عن الوقائع وتحال جميع الوثائق إلى وكيل الجمهورية وتأمر باقتياد المتهم إليه ليقوم بالإجراءات المتعلقة بالتلبس ويمكن أن تضاف القضية لدورة المحكمة الجنائية شريطة احترام الآجال الواردة في المادة:255 التي تتراوح بين ثلاثة أيام بالنسبة للتلبس وثمانية أيام في الحالات الأخرى وهذه الحالة يمكن أن تكون عامة بالنسبة لجرائم الجلسات المرتكبة في جلسات كلّ المحاكم الجزائية بمختلف درجاتها

ونشير إلى أنّه خارج حالة التلبس وحالة جرائم الجلسات فإنّه لم تحدّد فترة يجب على محاكم الدرجة الأولى أن تبتّ خلالها هذا ما لم تكن محاكم إحالة

  • بالنسبة لمحاكم الدرجة الثانية (محاكم الاستئناف):في حالة استئناف أحد أحكام محاكم الدرجة الأولى فإن الفقرة الثانية من المادة: 468 نصت على أنّه: (ترسل العريضة وكذلك أوراق الملف من طرف وكيل الجمهورية إلى النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف في أقصر مهلة.) غير أنّها لم تحدّد لها أيّ فترة يجب عليها أن تبت فيها وذلك خارج حالات الملفات المحالة إليها من طرف المحكمة العليا التي يجب عليها أن تبتّ فيها خلال شهر من تاريخ هذه الإحالة طبقا للمادة: 560 من ق إ ج
  • بالنسبة للمحكمة العليا: لم تحدّد لها مدّة يجب عليها أن تبتّ فيها خارج حالات معينة وذلك مثل:

حالة الطعن في قرار قاض بالإعدام: في هذه الحالة يجب على المحكمة العليا أن تبت في هذا الطعن خلال ثلاثة أشهر على الأكثر حسب نصّ المادة:555 من ق إ ج

حالة طلب رفع الحصانة : في ما يتعلق برفع الحصانة عن القضاة أو رؤساء الدوائر الإقليمية عندما يكون أحدهم عرضة للمتابعة بسبب جناية أو جنحة فإن على المحكمة العليا أن تبتّ في طلب رفع الحصانة عنه خلال ثمانية أيام من تاريخ وصول الطلب إليها تطبيقا للمادة:613 من ق إ ج هذا بالإضافة إلى أنّ هناك نزاعات يجب على الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا أن تبتّ فيها خلال فترة محدّدة قانونا منها النزاعات المتعلقة بالطعون في قرارات اللجنة الوطنية للانتخابات التي يجب أن تبت فيها خلال خمسة عشر (15) يوما من تاريخ تعهيدها تطبيقا للمادة:22 من القانون النظامي رقم:27/2012 المتعلق بإنشاء اللجنة الوطنية للانتخابات

ب- في المجال المدني: في البداية يجب التنبيه إلى أنّ قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية سعى إلى تكريس مبدإ البت في فترة معقولة عبر تقريره لعدة أمور منها على سبيل المثال أنّه:

– سمح للقاضي عبر المادتين:68 -70 بالبتّ فورا في القضية إذا كانت جاهزة ومعنى ذلك أن تكون جاهزة لأن يحكم فيها كما هو الحال في القضايا المتعلقة بالديون المعترف بها من طرف المدين إذا أتى إلى المحكمة صحبة دائنه ففي هذه الحالة يمكن للقاضي بعد فتح ملف للقضية أن يبرمج لهما جلسة استثنائية يبتّ فيها في القضية فورا وينطق بالحكم فيها على الكراسي

-عمل على البتّ في فترة معقولة انطلاقا من حمله على الطرف القاطن خارج مقرّ المحكمة وجوب تعيين مقرّ مختار له داخل المدينة التي بها مقرّ المحكمة لتوصيل الاستدعاءات إليه بسرعة حسب الشكليات والإجراءات الواردة في المادة:62 منه

– قرر أنّ جميع الآجال الواردة فيه تمّ تقريرها تلافيا لسقوط الحق انطلاقا من نصّ المادة:10 منه على أنّ: (الآجال المحددة بمقتضيات هذا القانون لمباشرة حق ما، قد حددت تلافيا لسقوط الحق.)

– فرض على القاضي أن يحرّر الحكم في الأصل في مدّة لا تتجاوز شهرا تطبيقا للمادة: 81 منه

– فرض غرامة تتراوح بين 30000 و 300000على المستأنف استئنافا كيديا طبقا للمادة:172 (لم أر ولم أسمع أنّ أيّ محكمة استئناف حكمت بهذه الغرامة)

– حصر الأجل المتعلق بتقديم مذكرة المستأنف في ستين يوما يبدأ احتسابها من يوم نفاذ أجل الاستئناف وذلك تحت تعرضه للحكم عليه بغرامة تتراوح بين: 20000 و 50000 طبقا للمادة:174

– حصر آجال جميع الطعون كالاستئناف والمعارضة والطعن بالنقض وطلب المراجعة في فترات محدّدة إن لم تمارس خلالها سقط حقّ ممارستها

– فرض على المستأنف في المادة الاستعجالية أن يستحضر خصمه خلال خمسة (5) أيام

– فرض على الطاعن بالنقض أن يقدم مذكرة طعنه خلال شهرين من تاريخ طعنه في القرار الطعين تحت طائلة رفض طعنه شكلا تطبيقا للمادة:209 من ق إ م ت إ

– قيّد الفترة التي يمكن أن يمنح المستشار المقرّر للأطراف من أجل تقديم مذكراتهم بمدّة لا تتجاوز 15 يوما تطبيقا لنص المادة:214 من ق إ م ت إ هذا بالإضافة إلى أنّه فرض البتّ في بعض الدعاوي داخل زمن معين ومن ذلك على سبيل المثال:

1- أنّه يجب على محكمة الإحالة أن تبت خلال شهرين من إحالة الملف إليها من طرف المحكمة العليا طبقا للفقرة الثالثة من المادة:223 من ق إ م ت إ

2- تطبيقا للمادة:215 يبت رئيس غرفة المحكمة العليا المختص في طلب الطعن العارض بالتزوير ضدّ ورقة مستظهر بها أمام غرفته خلال شهر من تقديم الطلب وذلك بعد أخذ رأي المدعي العام لدى المحكمة العليا ويتجسد قراره في قبول الطعن أو رفضه وعندما يقبله يعين المحكمة التي عليها أن تقوم بالبتّ في دعوى التزوير الفرعي

المطلب الثاني: آثار المساس بمبدإ البتّ في فترة معقولة في الشريعة  والتشريع الوطني

سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نخصّص أولاها لآثار المساس بمبدإ البتّ في فترة معقولة في الشريعة الإسلامية بينما نخصص الثانية منهما لآثار المساس به في التشريع الوطني

الفقرة الأولى: آثار المساس بمبدإ البتّ في فترة معقولة في الشريعة الإسلامية

لا جدال في أنّ الشريعة الإسلامية حساسة بالنسبة لكلّ ما يتعلق بحقوق الناس ومنح هذه الحقوق لهم في أسرع وقت ممكن ولن يعز على الدارس لها ما يمكن أن يؤسس عليه نقض أيّ حكم رافقه ظلم أو سند للتعويض عن أيّ ظلم لحق شخصا بسبب فعل السلطة أو غيرها ذلك أن الأمثلة على مثل هذه الأمور كثيرة ومتعددة في التاريخ المجيد لهذه الشريعة ويمكن أن يستند التعويض هنا على أسس منها إعمال القواعد السابقة المتعلقة بإزالة الضر مثل قاعدة لا ضرر ولا ضرار ممّا يعني أنّ الجزاء المترتب على عدم البتّ في فترة معقولة في الشريعة الإسلامية هو التعويض عن الأضرار الناجمة عنه للمتضرّر ويمكن في هذا الإطار التمييز بين:

-عدم البتّ مطلقا: وهذا يمكن أن يتسبّب في مخاصمة القاضي والتعويض عن الأضرار الناجمة عنه إن كان لذلك محل

-التأخر في البتّ: وهذه الحالة يمكن أن ينتج عنها التعويض إن كان له محل وإلغاء الحكم إذا كان مشوبا بعيب مخالفة نصوصها من أحد نواحيه الأخرى

الفقرة الثانية: آثار المساس بمبدإ البتّ في فترة معقولة في التشريع الوطني

يمكن أن يكون الأثر الأبرز للمساس بمبدإ البتّ في فترة معقولة هو مخاصمة المحكمة ممثلة في رئيسها تطبيقا للمادتين: 15 – 272 من ق إ م ت إ والتعويض للمتهم أو المتقاضي عمّا لحقه من أضرار جراء التأخر في البتّ في قضيته كما هو الحال في بعض الدول الأجنبية لذا فإنّنا سنتناول المخاصمة في نقطة (α) بينما نتناول التعويض في النقطة (β)

α- مخاصمة القضاة نتيجة لعدم البتّ: يعتبر الأثر المترتب على عدم البت في فترة معقولة في القانون الوطني على درجة عالية من الخطورة ذلك أنّه يترتب عليه عند ثبوته مخاصمة القاضي الذي يعزى له اقترافه لذلك سنتناول موضوع المخاصمة في نقطتين نتعرض في الأولى منهما (ا) للطريقة التي بها يمكن إثبات عدم البتّ بينما نتعرض في الثانية (ب) لمسطرة المخاصمة

ا- الطريقة التي يثبت بها عدم البتّ: بعد  تقرير المادة: 15 من ق إ م ت إ لواجب البتّ في كلّ دعوى ترفع أمام القضاء بحكم في زمن معقول نصّ البند رقم:(4) من المادة:272 من ذات القانون وهي المتعلقة من بين مواد أخرى بالمخاصمة أنّ من بين أسبابها الامتناع عن الحكم وتكفلت المادة:273 منه بضرب أمثلة  لحالات الامتناع عن البتّ حيث جاء فيها أنّ منها:

– رفض القضاة البت خلال الآجال في الطلبات المعروضة عليهم

– إهمال  الفصل في القضايا الجاهزة للحكم بعد طلب ذلك

– عدم برمجة القضايا بعد حلول دور تقييدها بالجلسة وطلب الأطراف أو أحدهم لذلك

بينما نص المشرع في المادة:274 على إجراءات يمكن أن يثبت من خلالها المتقاضي المساس بحقّه في اللجوء للقضاء عبر عدم البتّ في قضيته وتمكن ممارسة هذه الإجراءات وإثبات تلك الممارسة بطريقة سهلة  وذلك بإتباع الطرق التالية:

  • – تطبيقا للمادة: 274 ق إ م ت إ يثبت عدم البت في القضية عن طريق استصدار إفادة من كتابة الضبط تثبت أن المعني قدّم طلبين للبرمجة متتاليين تفصل بينهما مدّة ثمانية أيام إلى القاضي عن طريق كتابة الضبط وأن الملف لم يفصل فيه حتى صدور الإفادة وطلب البرمجة يتم إرساله عبر أحد العدول المنفذين لكتابة الضبط ولا يمكن للعدل المنفذ رفض القيام بتبليغه لها تحت طائلة العزل من المهنة
  • – تطبيقا للمادة:273 من ذات القانون يجب أن يكون الملف جاهزا للبتّ فيه وهو أمر يمكن تقديره من طرف محامي الطرف الذي يريد مخاصمة القاضي و يشار هنا إلى أنّ هذه المسطرة يمكن استعمالها ضدّ قضاة جميع المحاكم بما في ذلك المحكمة العليا نظرا لعموم النصوص ومتطلبات تطبيق المبادئ العامة للمحاكمة العادلة خاصة المتعلق منها بواجب البتّ في فترة معقولة هذا مع أنّ رئيس المحكمة العليا ورؤساء الغرف بهذه المحكمة استبعدتهم هذه المواد ضمنيا انطلاقا من أنّهم هم من يقدم لهم طلب المخاصمة

* مسطرة مخاصمة القضاة

تنص المادة:277 من ق إ  ت إ على أنّ على الطرف الذي يريد مخاصمة قاض أن يقدم هو أو وكيله بموجب توكيل خاص إلى كتابة ضبط المحكمة العليا عريضة مكتوبة هادفة إلى تلك المخاصمة وكأي عريضة فإنّها يجب أن تتضمن شرح أسباب المخاصمة وأن تدعم بمبررات تلك المخاصمة والمزاعم الواردة فيها ما أمكن ويحب أن يكون على رأس مؤيدات الطلب:

– الإفادة الصادرة من كتابة الضبط تطبيقا للمادة:274 ق إ م ت إ

– إثبات أنّ القضية جاهزة لأن يبت فيها ما أمكن

هذا ويجب أن لا تتضمن عريضة المخاصمة أيّ سبّ لقاض وإلا حكم على مقدمها بغرامة من خمسة آلاف (5000) أوقية إلى عشرين ألف (20000) أوقية هذا مع أنّه يمكن أن يتعرض لعقوبات أخرى جزائية وتأديبية

وعند تقديم العريضة نكون أمام احتمالين حسب النصوص المتعلقة بالموضوع:

– أن ترفض العريضة ويحكم على مقدمها بالتعويضات إذا كان لها محلّ طبقا للمادة:279 ق إ م ت إ

– أن تقبل العريضة وفي هذه الحالة تبلغ للقاضي المعني في ظرف ثمانية أيام من تقديمها ويجب عليه هو أن يرد عليها خلال ثمانية أيام من تلقيها ويشار إلى أنّ من آثار قبول العريضة توقف القاضي عن النظر في الملف الذي أثيرت بشأنه المخاصمة كلّ ذلك حسب نص المادة: 280 من ق إ م ت إ

– تبت المحكمة العليا في غرفة مشورتها في الأمور المتعلقة بالمخاصمة حسب المادتين:24 من ق ت ق 281 من ق إ م ت إ ويشار إلى أنّ قانون الإجراءات الجنائية لم ترد فيه مسطرة خاصة للمخاصمة وإنّما ورد لها ذكر في مواد منه منها المادتين:122-139 ممّا يعني أنّ المسطرة المقررة في المادة المدنية بالمواد:272 إلى 282 هي المنطبقة

β- التعويض المترتب على عدم البتّ: لا يختلف التعويض المترتب عن عدم البتّ في المادة الجزائية عنه في المادة المدنية ويشي بذلك ضمنا أنّ المسطرة واحدة في القانونين ذلك أن المادة: 272 من ق إ م ت إ المتعلقة بمخاصمة القضاة التي جعلت الامتناع عن البتّ من بين هذه الأسباب تطبيقا للبند الرابع منها نصت الفقرة الأخيرة منها على أنّه: (تكون الدولة مسئولة مدنيا عن أداء التعويضات المحكوم بها على القضاة بسبب ما ذكر، مع حقها في الرجوع عليهم.) وفي نفس السياق نصت المادة:101 من ق ا ع على أن (القاضي الذي يخل بواجباته المهنية يسأل مدنيا عن هذا الإخلال اتجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز فيها مخاصمته.) ويبدو أنّ النصين يفترضان المخاصمة لاستحقاق التعويض وهو ما لا يساهم في تسهيل الحصول  على التعويض الناتج عن المساس بمبدإ واجب البتّ في فترة معقولة وتتضح خطورة هذا المذهب خاصة في المجال الجزائي انطلاقا من أنّه كثيرا ما يكونون الطرف المدني من المعوزين ممّا يفاقم أثر عدم البت في القضية بسرعة بالنسبة له مثل حال ضحايا حوادث السيارات في البلد الذين يعدون بالعشرات وكثيرا ما يكونون في وضعية بائسة و لا يؤمر لهم قبل البتّ بمئونة تساعدهم في تحمل تكاليف العلاج نظرا لسيادة مبادئ تقليدية في الاجتهاد القضائي الوطني من قبيل عدم المساس بالأصل في المادة الاستعجالية كما أنّ المشرع لم يشجع على الأمر لهم بهذه المئونة بالنص عليها كما هو الحال بالنسبة للمشرع الفرنسي بعد التعديل الذي أضاف المادة:5-1 إلى مدونة الإجراءات الجنائية الفرنسية التي سمحت بالاستجابة لهذا النوع من الطلبات ويشار أنّ الغرف المجمعة بمحكمة النقض الفرنسية عزّزت هذا المذهب بقرار مبدئي مضمونه أنّ الجزائي لا يعقل المدني في المادة الاستعجالية  (le réfère Xavier Vuiton / Jaques Vuiton p 375)  أمّا بالنسبة للمتهم المحكوم ببراءته فتمّ تعزيز وضعه انطلاقا من المصادقة على العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الذي جاء في  الفقرة الخامسة من المادة:9 منه أنّ: (لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.) ممّا يعني أنّه أصبحت له المطالبة بالتعويض عن الحبس أو الاعتقال الذي يثبت عدم تأسيسه على مبرّر لكنّ إجراءات الحصول على هذه التعويض يمكن أن تكون محلّ جدل في المستقبل عندما لا يتم قياسها على حالة التماس إعادة النظر المنصوصة بالمادة:573 من ق إ ج التي جاء فيها أنّه: (يمكن أن يمنح القرار الذي تترتب عليه براءة محكوم عليه، بناء على طلبه، تعويضا عن الضرر الذي لحق به بسبب الإدانة.

إذا كان ضحية الخطأ القضائي قد توفي فإن حق طلب تعويض الضرر يرجع بنفس الشروط إلى زوجه وأصوله وفروعه.) عندما يتمّ التذرع بأن القانون لا يجيز إثارة مسئولية القضاة إلا في حالة إمكانية مخاصمتهم وأنّ التعويض في هذه الحالة يجب أن يرفع طلبه على الدولة أمام القضاء الإداري

وبعد هذه الاستطرادات فإنّ خلاصة القول هنا أنّ عدم بتّ القاضي في فترة معقولة في أيّ قضية أو التأخر عن البتّ فيها عندما تكون جاهزة لأن يحكم فيها يعدّ إخلالا منه بواجب مهني وأنّ الدولة مسئولة عن التعويضات الناتجة عن الأضرار الناجمة عن المساس بمبدإ واجب البتّ في فترة معقولة بصفة عامة سواء تعلق الأمر بالمجال المدني أو الجزائي

 

محمد ينج محمد محمود

رئيس محكمة مقاطعة تمبدغة