تعليقا على “احتضار الدولة” / عثمان جدو

25 يناير,2016

تعليقا على المقال المعنون ب “احتضار الدولة” (التعليم نموذجا) ، سأركز على الجانب التفصيلي من هذا المقال المتعلق بالعلاقة ما بين *التعليم العمومي* و*التعليم الخصوصي* ؛ متجاوزا بذلك الخوض كثيرا في ما تطرق له الكاتب في بداية مقاله عن الدولة من حيث النشأة والوجود أو من خلال التعليم ، تصريحا أو تلميحا ، مع إبداء ملاحظة مختصرة ؛ مفادها : أن الكاتب قدم تشخيصا مقبولا ؛شيئا ما؛ وينم عن معرفة واطلاع مع توظيف جيد ومختصر للتسلسل التاريخي ..

وتجاوزا إلى محور الموضوع الذي يتمثل في ظهور المدارس الحرة التي كان من المفترض أن تكون عونا وسندا للمدارس النظامية وداعما أساسيا لها ومحفزا على الجودة والتأثير .. الشيء الذي حدث عكسه تماما مع مرور الزمن ؛ بفعل استقطاب هذه المدارس الخصوصية لخيرة المدرسين الناشطين في المدارس النظامية ؛بفعل الإغراءات المادية ، وكذا قوة الخداع التي انتهجتها هذه المدارس في بداية ظهورها عند ما اتخذت من بعض الحيل وسائل وطرائق إلى الظهور والسيطرة على نفوس الأهالي ؛ التواقين إلى تفوق أبنائهم ، حيث عمد القيمون على هذه المدارس إلى البحث عن المتفوقين من التلاميذ في التعليم النظامي وإغرائهم أو إقناعهم بالترشح للمسابقات الوطنية عن طريق هذه المدارس الخصوصية ، وأحيانا يلجأ هؤلاء إلى الناجحين لإعادة ترشيحهم باسم هذه المدارس مجندين خيرة الأساتذة لإقناعهم بذلك ؛ بعد أن سيطرت هذه المدارس على جل وقت هؤلاء الأساتذة ؛على حساب الوقت المخصص للتعليم النظامي ..!

لقد بلغت هذه الحالات آنفة الذكر ذروتها مابين عام -1998 و 2005- على الأقل مما أكسب هذه المدارس صيتا كبيرا ؛ جعل الأهالي أسيري خيارات القيمين عليها وحبيسي اشتراطاتهم المالية .. تصوروا معي أنه في هذا العام الدراسي -2015/2016- يوجد -مثالا لا حصرا – مدرس لأقسام السوابع في إحدى أشهر وأقدم المدارس الحرة ؛ يبلغ عدد الأقسام النهائية التي يدرس 5 أقسام ؛في الوقت الذي يدرس فيه في إحدى ثانويات الامتياز ..! ، ولكم أن تتخيلوا كم لهذه الحالة من سلبية على التلاميذ في اكتساب المعلومة وفي أخذ نصيبهم من التدريس ، فكيف لصاحب هذه الحالة أن يوائم بين هذه الأقسام ؛ مهما بذل من جهد ومهما كان له من طاقات ومهما تمتع به من خوارق جسدية وقدرة تعليمية ..؟! ، لكنه ببساطة سيعمد إلى إفراغ الحصص العلمية من محتواها العلمي الحقيقي ؛ فبدل تدريس محتويات علمية مركزة ؛ تشغل الحيز الزمني المكون من ساعتين مثلا ؛ سيوظف 30 دقيقة أو 40 بشكل سليم ؛في أحسن الحالات؛ ثم يعمد إلى قتل الباقي في أشباه التمارين أو إعادة اللهو في تافه النقاشات وجانبي الملاحظات .. أو سيموت من الإرهاق والضغط والجهد المضاعف ، هذا مثال متعدد ومنتشر بتعدد وانتشار المدارس الحرة وليس حالة شاذة ..!

صحيح أن وزارة التهذيب في العام الماضي قامت عن طريق إدارة المصادر البشرية بمحاولة السيطرة على تسرب الأساتذة نحو المدارس الحرة والحد من هجرتهم إليها ؛ حيث طلبت من هذه المدارس تزويدها بالجداول الزمنية للأساتذة العاملين عندها، وفعلت ، لكن الخطوة هذه اصطدمت بغش وتحايل المشرفين على هذه المدارس الخصوصية ؛ الذين تخلصوا من شرك الوزارة بحيلة أقوى وبسهولة تامة ، عن طريق التغيير الدائم للجداول الزمنية ، والهروب من الرتابة والثبات المعول عليهما من طرف الوزارة في كشف انشغال الأساتذة وإذعانهم لجداول هذه المدارس ..! ، وتوقف حمار الوزارة عند العتبة الأولى وواصلت قاطرة المدارس الخصوصية تهدم ماتبقى من تشييد معنوي حازته المدارس النظامية في سالف الزمن ؛ من خلال امتصاص جهد الأساتذة ومن خلال إعطاء الصورة القاتمة عن التعليم النظامي وترسيخها في أذهان الأهالي الذين يربطون النجاح بقوة الذائعات وعدد الناجحين في الامتحانات؛ الشيء الذي تحتاط له هذه المدارس الخاصة بالتفنن في إعطاء النقاط التجاوزية للتلاميذ الذين يغتر أهاليهم بذلك ولا يكتشفون الجزء الخفي من اللعبة إلا عند المسابقات أحيانا ؛خاصة إذا لم يتقن القيمون على هذه المدارس لعبة توزيع التلاميذ الجيدين بين التلاميذ الضعاف أو مساعدة الضعاف عن طريق إدخال الحلول لهم بالوسائل التقليدية المعروفة أو بتقنية التكنولوجيا المعاصرة ..! ينتهج كثير من المدارس الخصوصية هذا المنهج حفاظا على زبنائه ومكانته في هذا السوق التربحي .. في صورة بشعة لاغتيال التعليم النظامي على الميدان وفي الأذهان..!

بخصوص زيادة الرواتب التي تحدث عنها كاتب المقال ؛ فعلا حدثت زيادة ملحوظة كما تمت الإشارة إلى ذلك لكن العلاوات ظلت على حالها مع ذكر زيادتها أيام *وزارة الدولة* دون تجسيد ذلك على أرض الواقع ، ومعروف كم يعول عليه من تشجيع ودعم وتثبيت للمدرسين داخل القطاع من خلال العلاوات التي يوجد المستحق منها في الفصل الأول في خالة تأخر ؛ الشيء الذي لا ينبغي .. فعلى اللجان الوزارية المسؤولة عن متابعة هذه العلاوات بعدم تعطيل صرفها والإسراع في تسديدها.

لقد عانت الخريطة المدرسية من عدم التوسع على المستوى الثانوي في السنوات الماضية إذا ما استثنينا السنة الحالية التي شهدت توسعا ملحوظا باستحداث نقاط جديدة في ولايات متعددة .. أما على مستوى التعليم الأساسي فالأمر مختلف ؛حيث ظلت الخريطة المدرسية تشكو التوسع الفوضوي الذي بني على أسس لا تخضع لمعايير علمية ، بل ظل المعيار الرئيس في ذلك هو قوة الروابط مع الإدارة الإقليمية أو كسب ودها من خلال أعطيات تكون سبب فتح تلك المدارس العشوائية التي انتشرت في أزمنة ماضية ، وولدت الآن تركة ثقيلة تسعى الوزارة إلى تقليصها من خلال تجميع ما أمكن تجميعه من تلك الافتراضيات التي تفتقر أصلا إلى العدد الكافي من التلاميذ وتتقارب أحيانا بشكل كبير يجعل المسافة بينها لا تبرر وجودها أصلا وتعزز صدق ما ذهبنا إليه في هذا السياق ..

يلاحظ تسيب كبير كما ذكر الكاتب في المدارس النظامية ؛ يتجلى ذلك في نقص بعض المعدات والأبواب والنوافذ وهنا أشير إلى أن “المقاولين” الذين يتولون إصلاح الأبواب والنوافذ لا يؤدي أغلبهم ذرة مما أوكل إليه ؛ إنما يتوارون بتركتهم هذه دون إصلاح باب أو نافذه بل دون معاينته أصلا .. إنما يستحوذون على هذه الميزانيات ويحسبونها مخصصات خالصة لهم ..!!

إن تفشي الجرائم أمام المدارس العمومية أمر متفق عليه لكن عدواه قادمة من المدارس الخصوصية التي أزدهر التلصص وتدخين الحشيش في الأزقة المجاورة لها وتنامى ذلك في ظل غياب الرقيب التربوي الفعال وعدم وجود الرقيب الأسري الغافل أصلا إلا عن المشاركة في إنتشار الجريمة بفعل تشريعه لاكتساب أبنائه للخطط الإجرامية من خلال مشاركته لهم في مشاهدة الأفلام والمسلسلات المروجة لذلك ..!

إن وجود مدارس أجنبية كما ذكر الكاتب تدرس مناهج لا تتلاءم مع المنهاج الوطني أمر في غاية الخطورة ووسيلة هدم للتعليم وللقيم ؛ إن لم توجد رقابة صارمة ومتابعة دقيقة ؛ خاصة وأن من بيننا مرضى مصابين بداء حب النتصير والتبعية الاستعمارية التي تدعوهم دوما إلى التقرب زلفى إلى كل ما يحمل مسحة غربية .. ثم إن وجود مدارس فئوية خاصة بأعراق معينة أمر مرفوض البتة وعلى الدولة أن تحاربه وتضيق الخناق عليه حتى يختفي ، والحالة هذه تجر ذيلها على المدارس القبلية التي ظهرت في الفترة الأخيرة مما يعكس خطورة الفوضوية التي ولدتها هذه المدارس ، كما أن المدارس الطبقية هي الأخرى لا تقل خطورة عما سبقها ؛ فمن أقل أضرارها اتساع الهوة النفسية بين الفقراء والأغنياء وما يترتب على ذلك من حقد وكراهية ..

إن تسرب المدرسين الأكفاء من المدارس النظامية إلى المدارس الخصوصية بحثا عن المكاسب المادية ينبغي أن يسيطر عليه بالإرضاء المادي والاستنهاض المعنوي ومراقبة الطاقم الخصوصي ؛ولما لا فرض التحلل من العمل داخل الوظيفة العمومية كشرط إجباري للراغبين في الالتحاق بالتعليم الخصوصي من الموظفين .

إن على القيمين على المدارس الخصوصية إعادة النظر في مراقبة الكفاءات التربوية من خارج الموظفين الذين تلجأ إليهم هذه المدارس ؛ بحثا عن تعاقد رخيص وإن كان ذلك على حساب الجودة، والاكتفاء غالبا بإذن التدريس الذي تمنحه إدارة التعليم الخاص التي تنتهج الزبونية كثيرا في ذلك ، فمن له معرفة هناك نال الإذن في أيام معدودة ومن انعدم عنده ذلك انتظر شهورا وربما لم يحصل عليه ، بالرغم من أنه لا توجد في طريق الحصول عليه أسئلة ولا اختبارات ؛إنما فقط وثائق عادية يستوي في حيازتها كل مواطن .. لكنهم يختلفون في تقدير “السيدة” التي تستقبل الملفات إذا تجيز وترفض حسب مزاجها وتقديرها للمتقدم من خلال التحديق أو استعذاب الحديث ..!

إن الإجراء الذي قامت به الوزارة في الفترة الماضية وأدى إلى إغلاق بعض المدارس الخصوصية التي لا تتمتع بالأهلية القانونية المبنية على توفر الشروط اللازمة أمر جيد للغاية ويحتاج إلى متابعة وتكرار حتى اكتمال السيطرة على المخلين وتنظيم وانسجام الجادين الملتزمين ..

أخيرا لا ينبغي أن تترك هذه المدارس الخصوصية تفرض نفسها كبديل إجباري للمدارس النظامية من خلال مسالكها الملتوية وتدليسها وإغرائها ، وعلينا إنعاش المدارس العمومية وتثبيت المدرسين ماديا ومعنويا وفرض سلطة القانون ،وعلينا إعادة الاعتبار للدولة من خلال تحصين التعليم النظامي وتطهيره من كل الشوائب .