عربات التوك توك و ” عتروس الناس “

12 فبراير,2016

mh

كان لبعض القوم تيس ماعز كبير، وكان نبيبه في مواسم تزاوج الماعز يجلب لهم الضيوف في ليال لا يريدونهم، بل ويدل عليهم العدو في أوقات لا يكونون فيها على أهبة الحرب،فاجتمعوا لبحث أمره وارتأوا أن يذبحوه ويتخلصوا من إزعاجه ففعلوا مكرهين، لكن مجموعة من التيوس الصغيرة ” إغيارن ” كانت تخاف التيس الكبير ولا تستطيع رفع الصوت بجانبه فخلا لها الجو بذبح التيس الكبير، فملأت الدنيا نبيبا وتشاكسا وتناطحا، لتتعدد الأصوات ويدخل القوم في ورطة لن يتخلصوا منها إلا بذبح أو التخلص من كل هذه التيوس..!

كنت قد أشرت على رئيسة مجموعة نواكشوط الحضرية أياما بعد تنصيبها، باستبدال العربات التي تجرها الحمير بعربات ” التوك توك ” ثلاثية العجلات، على الأقل في مركز المدينة، ذلك أن مطاردة أصحاب العربات البدائية، ومنعهم من التكسب بواسطة عرباتهم دون توفير بدائل لهم يحرم قطاعا مهما من المواطنين من كسب قوته بهذه الوسيلة، مع حقيقة أن تجوال هذه العربات على الشوارع في وسط العاصمة جنبا إلى جنب مع السيارات منظر غير حضري، وهناك بلدان عديدة على نفس درجة السلم الاقتصادي والتنموي معنا، ومع ذلك لا نرى هذه العربات في مراكز عواصمها، مع أنها توزع وتنقل البضائع في مراكز المدن مثلنا.

مؤخرا وزعت المجموعة الحضرية المئات من عربات ” التوك التوك ” هذه على أصحاب العربات التقليدية، وكونتهم على سياقتها وصيانتها، وظهروا في الشوارع وهم يستخدمونها ويحملون عليها البضائع بمختلف أنواعها، بل ويحمل بعضهم عليها الركاب وهو في طريقه إلى بيته في المساء مجانا أو بأجر..

وكما تخلص القوم من تيسهم المزعج ليتضاعف الإزعاج بأصوات التيوس الصغيرة، يبدو أن العربات البدائية التي استبدلها أصحابها بالعربات الميكانيكية، قد ورثها مستخدمون آخرون ظهروا في الشوارع بنفس الكم ونفس الأسلوب. وإن كان الهدف الأصلي من توزيع العربات الميكانيكية هو القضاء على مظهر غير مناسب في الوسط الحضري، بالإضافة إلى التحسين من سرعة الخدمة وزيادة الدخل، فإنه حتى وإن استمر وجود العربات البدائية في وسط المدينة فإن ذلك يعتبر دليلا على أن الاستفادة من هذه العملية قد توسعت، لأن أصحاب العربات القديمة استبدلوها بأخرى حديثة أصبحوا يشغلونها ويكسبون منها دخلهم، وفي نفس الوقت لم يتخلصوا من عرباتهم القديمة بتفكيكها و” إعدام ” الحمير التي كانت تجرها.. وإنما باعوها أو تنازلوا عنها لآخرين أصبحوا أيضا يكسبون منها.

وهذا يعني أن الأمر يتطلب التوسع التدريجي في هذه العملية حتى تعم الوسط الحضري، لكن ذلك لا ينبغي أن يتم إلا بعد التقييم الدوري والنزيه للعملية، مدى نجاعتها، مردوديتها، قابلية استدامتها، الأثر البيئي لهذه العربات، والبحث إن كانت هناك أنواع أخرى منهاأقوى وأكثر تحملا وأسهل صيانة.. ذلك أن إدخال هذه العربات لميدان العمل لا يزال في طور التجريب والاختبار، وبدون تقييمه واستخلاص النواقص التي رافقته والعقبات التي اعترضته، سيكون التوقف عن الاستمرار فيه بناء على ” فشل ظاهري ” مجهول الأسباب خطأ لأنه لا ينبني على تقييم دقيق، ونفس الشيء سيكون التوسع فيه دون تقييمه وبحث نواقصه وعقباته أيضا هدر وفشل وخيبة للآمال في نهاية المطاف.

فلا ينبغي أن نسلم عربة ميكانيكية لكل صاحب عربة بدائية مثلا ونقول له ” أمعاك الله يا حاج.. ” دون مواكبته ومساعدته على التكيف مع هذه الوسيلة الجديدة عليه حتى لا يحكم عليها بالفشل كبديل لعربته البدائية ويقول لنا ” ردولي أحماري “! ونفس ما قلناه عن هذه العربات ينطبق أيضا على العربات الأكبر حجما التي وزعتها وكالة تشغيل الشباب، فهذا النوع من العربات موجود في الكثير من بلدان العالم ويوفر الكثير من فرص العمل وتحسين الخدمات، لكن سيكمن الفرق بين قيمة واستدامة تلك الفرص في هذه البلدان وعندنا، في الفرق بيننا وبينها في الاهتمام والتركيز على التقييم النزيه والمتجرد ـ ومن كا