قمة في النجاح…

أخر تحديث : الأحد 7 أغسطس 2016 - 7:57 مساءً
قمة في النجاح…

أسدل الستار على «قمة نواكشوط» العربية، أول لقاء من هذا المستوى في موريتانيا، حدث سياسي طالما انتظرته أجيال الموريتانيين المتلاحقة منذ استقلال البلاد سنة 1960. حدث أغاظ نجاحه خصوم السيادة الموريتانية في شبه المنطقة ووحد صفوف الشعب الموريتاني وأفرز واقعا إقليميا جديدا.
تماما كما حدث خلال سنوات الاستقلال الأولى
على الرغم من التعاطي الإعلامي المكثف مع قمة نواكشوط «الاستثنائية» على أكثر من صعيد، لم أطلع على مقال واحد أو عنصر سمعي_بصري واحد يتطرق إلى إرهاصات استقلال موريتانيا في علاقته بالجامعة العربية وبعض الأوساط السياسية في كل من المملكة المغربية وجمهورية السنغال وكيف أن التاريخ أعاد نفسه بمناسبة هذه القمة. لقد أحجمت الجامعة العربية ثلاثة عشر سنة عن الاعتراف بسيادة موريتانيا، تحت ضغط أوساط سياسية مغربية متطرفة، ولم يتغيب قط المرحوم المخطار ولد داداه، أول رئيس للبلاد عن الاحتفالات المخلدة لعيد الاستقلال الوطني في نواكشوط إلا مرة واحدة طوال فترة حكمه الطويلة، وكان ذلك سنة 1973، حيث سافر بمناسبة الانضمام الفعلي لموريتانيا إلى جامعة الدول العربية. فمن المفارقة بمكان أن تلتئم اليوم أول قمة لهذه الجامعة في موريتانيا، بعد طلب المملكة المغربية رسميا بتأجيلها في مرحلة أولى والعزوف نهائيا عن تنظيمها في مرحلة ثانية، وفي وقت قررت فيه الحكومة السنغالية طرد قطعان الإبل الموريتانية من أراضيها، دون سابق إنذار(مع الإبقاء على الأبقار والأغنام والحمير!!). فاستهداف «سفينة الصحراء» دون غيرها من الحيوانات الأليفة، في سابقة من نوعها وأيام قليلة قبل انعقاد أول قمة عربية على الأراضي الموريتانية، ينم عن عنصرية «حيوانية» مقيتة من لدن حكام داكار الجدد تجاه عرب غرب إفريقيا (البيظان)، على نهج الرئيس الراحل ليوبول سدار سانغور، رئيس السنغال الأول. ولعل التبجح الإعلامي للرئيس ماكي صال في جريدة «جن آفريك» بخصوص دوره المفترض في إقناع ملك المغرب بالعودة إلى «الاتحاد الإفريقي»، الذي لم ينضم له أصلا، وادعاءه الوقوف وراء (شائعة) لائحة من ثمانية وعشرين دولة إفريقية مطالبة بشطب عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية من المنظمة، دليلان إضافيان على حقد الرجل لقومية «البيظان» أينما حلوا وأينما ارتحلوا، لأسباب كشف مؤخرا الرئيس السنغالي السابق الأستاذ عبد الله واد النقاب عن بعض محاذيرها… وفي الوقت الذي كانت فيه موريتانيا، شعبا وحكومة، منهمكة في التحضير المتقن لحدث تعتبره تاريخيا ومصيريا، قررت أوساط معادية للبلاد في الرباط شن حملة مسعورة ضد رموز الدولة الموريتانية وسيادتها ومصداقية مؤسساتها وكرامة شعبها، تماما كما حدث إبان سنوات الاستقلال الأولى. وبالتوازي مع الهجمة الإعلامية المغربية الشرسة، سلطت أوساط إعلامية في داكار أضواءها مطولا على «المتزنج» (حسب عبارة د. السعد ولد لوليد، أحد أقرب مقربي بيرام السابقين) بيرام ولد اعبيد وهو يصب جام غضبه على عرب غرب إفريقيا «البيظان»، ويصفهم بنعوت عنصرية ساقطة، نتاج حقد دفين وخيال سقيم ونرجسية متفاقمة. يروج ولد اعبيد وملهموه في كل من المغرب و«لصيقه» السنغال لفكرة مفادها أن الرق ومخلفاته والتراتبية الاجتماعية لم تعرفه إلا قومية «البيظان» في الغرب الإفريقي، خلافا لما يؤكده أخصائيو الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، حيث تحظر بعض القوميات الإفريقية المتواجدة في السنغال على منتسبيها أن يصلوا في مسجد واحد أو يدفنوا في مقبرة واحدة، ناهيك عن المصاهرة أو حتى الجلوس على فراش واحد، كل ذلك لأسباب تتعلق بتراتبية اجتماعية صارمة. وإذا كان مجتمع «البيظان» يعاني بالفعل من ترسبات التراتبية والتخلف الاجتماعيين، إلا أنه يمكن اعتباره المجتمع الأكثر ليبرالية في غرب إفريقيا، إذ كان يكفي للرجل أن يكون قويا ومقداما وفارسا أو أن يحفظ أحزابا من القرآن العظيم ويكون ملما ببعض الأنظام الفقهية والنحوية والشعرية أو أن يتقن حرفة أو يجيد فنا، لكي يتبوأ مكانة اجتماعية لائقة، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة…
وتسخر السنغال والمغرب، من وقت لآخر، وسائلها الإعلامية لعقيد سابق في الجيش الموريتاني شغل منصب مدير عام للأمن الوطني لحوالي عشرين سنة خلال أحلك فترات الدكتاتورية في موريتانيا. عقيد جمع ثروة فاحشة بالفساد والابتزاز، يجهل اللغة العربية ولا يعرف اللغة الفرنسية، فأصبحت مداخلاته الإعلامية في البلدين مادة دسمة للتهكم والسخرية (من الموريتانيين) من لدن الرأي العام في البلدين، فهو يسرع وتيرة حديثه للتغطية على عجزه اللغوي، لكنه كلما أسرع في الحديث كلما ارتبك خطابه ليصبح عشوائيا (خبطه في اسما ووحده في اتراب)… يمكن اعتبار هذا العقيد مرتزقا إعلاميا، حيث يتم استدعاؤه من وقت لآخر من طرف منظمات معادية للفلسطينيين والعرب والمسلمين في الدول الغربية لتدعيم نظريات “الإسلاموفوبيا”، فالمهم بالنسبة له هو الظهور في الصورة إلى جانب غربيين ولو متطرفين ومعادين لأمته، اعتقادا منه أن بوسعهم مساعدته على الوصول إلى السلطة، علما بأنه ترشح لانتخابات 2009 ولم يحصل إلا على نسبة هامشية ( 3%) من أصوات الناخبين الموريتانيين.
ستحتفظ الذاكرة الجمعية لمجتمع «البيظان» في الساحل والصحراء للعرش المغربي بحصيلة مواقف عدائية من بينها:
مناهضة السيادة الموريتانية في ستينيات القرن الماضي
احتلال “الساقية الحمراء” تحت ذريعة تنفيذ اتفاق “مادريد” الثلاثي الجائر
إعادة احتلال “وادي الذهب” بعد الانسحاب الموريتاني، في تحد سافر للقانون الدولي
الوقوف إلى جانب السنغال خلال أحداث 1989_1990 الأليمة التي اندلعت إثر استغلال متطرفين لحادث عرضي بين منمين ومزارعين سود (“فولان” و”سونينكى”) في بلدة “ادياوار”، ضد “البيظان” في داكار
إيواء المغرب لمطلوبين لدى العدالة الموريتانية واحتفاؤه الدؤوب بأباطرة الفساد القادمين من نواكشوط
معاملة أحفاد علماء شنقيط كما لو كانوا غير ناطقين باللغة العربية، كتعيين ستة منهم ضمن “مجلس علماء إفريقيا”، خمسة منهم من نفس الأسرة، هذا المجلس الذي لا يضم مغربيا واحدا ولا جزائريا واحدا ولا تونسيا واحدا ولا ليبيا واحدا ولا مصريا واحدا…
محاولة التشويش سياسيا وإعلاميا على أول قمة لجامعة الدول العربية في موريتانيا.

الواقع الإقليمي وإكراهاته
سيسجل التاريخ بحروف من ذهب للرئيس الموريتاني الحالي السيد محمد ولد عبد العزيز خصالا قيادية فريدة خولته اتخاذ قرارات سيادية دقيقة وموفقة في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد، من أهمها مبادرة التصدي بفعالية لعصابات الإرهاب والتهريب والموقف الرافض للزج بموريتانيا في الصراعات الدائرة في شبه المنطقة بشروط لا تراعي مصالح البلاد الحيوية والدفاع المستميت عن الحريات الفردية والجماعية واستحداث مجموعة “دول الساحل الخمسة” والتعامل العقلاني مع زلات الجارة الجنوبية وتهور “شبه الجارة” الشمالية والقبول بإيواء القمة العربية السابعة والعشرين بعد اعتذار المغرب عن تنظيمها. رفع الرئيس تحدي تنظيم أول قمة عربية في موريتانيا على المستويات الأمنية والسياسية واللوجستية والثقافية في فترة وجيزة، فوحد صفوف الشعب الموريتاني حول هذا الحدث التاريخي، ونجح قبلها في رئاسة الاتحاد الإفريقي، في وقت سجلت فيه السلطات المغربية تراجعات مريبة: العزوف، في آخر لحظة، عن تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم (التي احتضنتها بنجاح جمهورية غينيا الاستوائية بغياب الفريق المغربي)، إلغاء قمة مراكش لمجموعة “س_ ص” إلى أجل غير مسمى والتنازل عن تنظيم القمة العادية السابعة والعشرين لجامعة الدول العربية…
فعلى الرغم من أن الأحكام الملكية غالبا ما تتسم بالرزانة والتبصر، إلا أن “المخزن” المغربي أصبح مثالا إقليميا ودوليا على التهور السياسي والإعلامي، ولا أدل على ذلك من الحملة الهستيرية التي تعرض لها مؤخرا الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كيمون، لا لشيء سوى أن الرجل، وطبقا لصلاحياته، أراد زيارة قوات “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينيرسو)” في عاصمة الصحراء الغربية، العيون، كما استشاطت الرباط غضبا فأوقفت كل أشكال الاتصال بالاتحاد الأوربي عندما اعتبر هذا الأخير أن السلع القادمة إليه من الصحراء الغربية، منتجات إقليم متنازع عليه، كما يقر بذلك القانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة. واستدعت السلطات المغربية السفير الأمريكي إثر نشر بلاده تقريرها السنوي عما تعتبره واشنطن انتهاكات لحقوق الإنسان في الصحراء الغربية، علما بأن التقرير أصبح روتينيا ولم تنزعج منه إلا السلطات المغربية (اللي فكرشو الاعظام…)، على الرغم من أن عدة دول أخرى في شبه المنطقة وجه لها التقرير المذكور بعض الملاحظات، إلا أنها لم ترد بأسلوب متشنج. لقد شكل رحيل زعيم “البوليزاريو” المرحوم محمد عبد العزيز دليلا إضافيا على الطابع الاستفزازي الذي أصبح يتسم به الموقف الرسمي المغربي في الآونة الأخيرة، حيث يستشف من بعض وسائل الإعلام المغربية شبه الرسمية أنه كان يجب على السلطات العمومية الموريتانية والخصوصيين الموريتانيين أخذ تراخيص مغربية حول كيفية تقديم العزاء لذوي زعيم من زعماء “البيظان”، علما بأن ملك المغرب قدم هذه التعازي على طريقته…
وشكلت المناورة الدبلوماسية الأخيرة تجاه “الاتحاد الإفريقي” دليلا قاطعا على الطابع اللاعقلاني والارتجالي الذي أصبح يشكل السمة البارزة للسياسات المغربية الحالية، فاليوم إما أن يسحب المغرب مبادرته الشيء الذي سيعني الإقرار بفشل ذريع قد تكون له تبعات داخلية غير متوقعة، أو أن يقبل بالجلوس إلى جانب الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهذا أمر شبه مستحيل لأن هدف المناورة الأول والأخير هو إقصاء الصحراويين من المنظمة، أما الإمكانية الثالثة فتكمن في الإبقاء على المناورة من أجل المناورة لوقت طويل ودون تحقيق نتيجة تذكر، أما المآل الرابع فقد يكون تفجير المنظمة القارية وتقسيمها إلى مجموعتين أو عدة مجموعات إقليمية. ومهما يكن مصير هذه المبادرة، فإن السلطات المغربية الحالية ستكون ضمن قائمة الخاسرين. إن حل مشكلة الصحراء الغربية المعقدة لن يتأتى من خلال تأزيم علاقات المغرب مع دول شبه المنطقة وإرباك التنسيق فيما بينها ولا من خلال محاولات يائسة لشل نشاطات المنظمات الإقليمية والقارية والعالمية، بل سيتأتى من خلال جلوس ممثلي المغرب وجبهة “بوليساريو” حول طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات متبادلة وصولا إلى اتفاق واقعي قابل للتنفيذ.

يجمع العارفون بشؤون جمهورية السنغال على أنها تشكل قنبلة ديموغرافية موقوتة (13مليون نسمة على أقل من 200000 كيلومتر مربع) وأن لها طموحات جامحة (الراص في اسما والكرعين في الما) مع شح خانق في الموارد الاقتصادية وهجرة مزمنة، بالإضافة إلى نزاع انفصالي مسلح حاد في جزئها الجنوبي (كازامانص). إنها الدولة الوحيدة في شبه المنطقة التي اختلقت لنفسها أزمات ونزاعات مع كل جيرانها (غامبيا، غينياـبيساو، غينيا، موريتانيا، مالي)، مستلهمة دورها في غرب إفريقيا من تصرفات إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي أصبح فيه الرئيس “ماكي صال” لا يفوت أية فرصة لمخاطبة الصحافة بخصوص حقول الغاز الطبيعي في المحيط الأطلسي، قبالة الشواطئ الموريتانيةـالسنغالية، كان أجدر بالرجل، الذي أجرى فترات تربصه الأولى في شركة للمناجم في مدينة “اكجوجت” الموريتانية كمهندس، أن يثمن الموقف الموريتاني الحكيم بخصوص هذه الثروة، وأن يجنح إلى المسالمة وحسن الجيرة، لأن أمن الموريتانيين وحريتهم وكرامتهم تشكل خطوطا حمراء، بدون احترامها قد يستحيل استغلال الغاز الطبيعي، كما قد تلغى نهائيا رخص صيد الأسماك وتضيع فرص تشغيل العمالة السنغالية المتواجدة بكثافة في شوارع المدن الموريتانية.
فما لا تعرفه الأوساط المعادية للسيادة الموريتانية في كل من المغرب والسنغال، أن نجاح الرئيس محمد ولد عبد العزيز في توفير الأمن والاستقرار للموريتانيين في ربوع البلاد الشاسعة، خلال السنوات الأخيرة، حال دون أن تتحول “داكار” إلى “ماغاديشيو” غرب إفريقيا، كما حال دون بلقنة المملكة المغربية. فعلى رشداء وحكماء الشعبين السنغالي والمغربي إقناع حكامهم بقدسية سيادة القرار السياسي الموريتاني وبحرمة كرامة المواطنين الموريتانيين المقيمين على أراضي البلدين وأن أخطارا حقيقية تتهدد شبه المنطقة، الشيء الذي يحتم على الحكومات والشعوب أن تجعل من الاحترام المتبادل والتعاون الطوعي آليتين لدرء الإرهاب ونبذ التطرف ودحر كل أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتعزيز التنمية المستدامة، عندها سيتحول النجاح الكبير الذي حققته قمة نواكشوط العربية الأولى إلى قمة في النجاح، ليس للشعب الموريتاني فحسب بل لشعوب شمال إفريقيا والساحل والصحراء برمتها…

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة المراقب الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.