ملف إيرا … المحاكمة والبعد الثالث- بقلم/ أحمد حيدات

9 أغسطس,2016

rai

لست ممن يستهويهم الانجراف في موجة الخوض في الملف القضائي الذي يشكل حديث الساعة هذه الأيام، والمعروف بملف أحداث ساحة بوعماتو، (أو تجاوزا بملف إيرا) لأن الحديث عنه خاصة من المنظور الفني القانوني إنما هو حكر على أصحاب الاختصاص، فلا يهمني نقاش الوقائع ولا تجريمها أو نفي الصفة الجرمية عنها، ولا وجاهة الأدلة من عدمها، ولا إثبات المسؤولية عنها في حق أي كان، ولا البحث في سلامة التكييف، ولا الجدل حول اعتبار التلبس وصفا أو ظرفا، ولا ما لكل ذلك من آثار على مشروعية العمل براجح الإدانة في مواجهة العدول عن شرعية افتراض البراءة.

أكتفي بالنظرة إليه من الخارج، وحسبي ذلك، كمن هو مثلي في منزلة المراقب عن بعد..

في قضية كهذه تجد المؤسسة الاجتماعية نفسها في مواجهة صورة نمطية لوضع طالما حاولت افتعاله الدعوات المعادية للمجتمع ذات التصور القائم على التمايز الفئوي (الشرائحي) لأغراض القفز على حقائق التجانس الثقافي والانتماء الحضاري الواحد، لمجتمع واحد (كالعين في تكامل سوادها وبياضها).

ولعل النظام الحاكم يكون أكثر ورطة حين يدرك أن مثل هذه الأحداث ليست إلا عنوانا لموروث مقيت عنيد على التجاهل عصي على المحو من ذاكرة الماضي الحي، وأنه إذا لم يوفق في استيعاب الأزمة سيظل- كسابقيه- يتجرع مضض الفشل الذريع لسياسات مجتمعية جعلت من الأنظمة السابقة جزءا من الأزمة بدلا من أن تكون جزءا من الحل.

كذلك قد يجد القضاء نفسه في وضع لا يحسد عليه وهو ينظر في قضية كهذه التي تبدو من حيث طبيعة الوقائع ونوعية التهم مندرجة في عداد جرائم الحق العام، ولكنها تبدو من وجه آخر من حيث الاعتبارات الخاصة ذات الصلة بالأشخاص (المتهمين) قابلة للتصنيف في إطار قضايا الرأي، وقد يكون كلا الوصفين منطبقا حسب زاوية النظر.

قد يكون من الخطأ ما يتصوره البعض من خصوصية القضية باعتبار وحدة اللون (قاسما مشتركا) بين جميع المتهمين.. استحضارا ذهنيا –غير بريئ- لسوابق القضاء الموريتاني في محاكمة (لون واحد) على غرار ملف المناضلين الزنوج قادة انقلاب 1987 الذين آلت محاكمتهم إلى الحكم بإعدام ثلاثة من أقارب بعض المشمولين في الملف المعروض هذه الأيام.

لكن، لا يكاد يخرج عن سياق الخصوصيات فعلا انتماء معظم المتهمين لحركة إيرا، الأمر الذي أوهم تيار الرأي العام أن الحركة كانت تقف وراء الأحداث في ساحة بوعماتو، أو حاولت توظيفها لأغراض التحريض السياسي لصراع اجتماعي مفتعل، أو قائم من منظور الحركة.

بيد أن الأمور تأخذ وصفا آخر عندما تتأكد فرضية (البعد الثالث) ويتعلق الأمر بصلة بعض عناصر الملف سياسيا واجتماعيا بحركة (افلام) ذات التوجه القومي وصاحبة الدعوة تاريخيا إلى إقامة دولة (وال والو) الانفصالية.. واقع الحال يوحي بأرجحية الاحتمالات القائلة بأن لها حضورا- ولو حكميا- في قلب الحدث، علما بأن تنظيمات الحركة لم تعد قادرة على التأثير الميداني في الساحة المحلية كما في الثمانينات، شأنها في ذلك شأن مثيلاتها التنظيمات القومية في البلد.

المشكل الذي يعانيه اليوم أشقاؤنا الحراطين جزء من أزمة تاريخية لا تكمن-فحسب- في استمرار واقع العبودية في شكلها القديم، بل في التجليات المتعددة المظهر لفشل السياسات المجتمعية كما قلنا، والسبيل إلى معالجة أوجه ذلك الفشل لا تمر منطقيا بمعاقبة ضحايا الأزمة حتى ولو استفزهم – ذات مرة- هاجس الامتعاض إلى التعبير عن مآسيهم بأسلوب جانح.

فهل تقبل الفطرة أن يتحول الضحايا إلى جناة؟!