تجاذب مذهبي سني شيعي على الساحة الموريتانية

19 سبتمبر,2016

imam-hr

تنشغل الساحة السياسية والتدوينية الموريتانية حالياً بظاهرة انتشار التشيع في موريتانيا، بعد أن دعا الشيخ أحمدو ولد المرابط كبير أئمة موريتانيا الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في خطبة الأضحى وخطبة الجمعة الأخيرة، لقطع علاقات موريتانيا مع من سماه «النظام الإيراني الفارسي الصفوي التشيعي».
وبهذا الانشغال تكون موريتانيا قد انجرفت بقوة في التجاذب المذهبي المحتدم منذ فترة بين السعودية التي يراها البعض حاملة لواء أهل السنة والتي يناصرها السلفيون الموريتانيون، وإيران حاملة لواء الشيعة التي لها هي الأخرى أنصار وأشياع في موريتانيا.
وكان الإمام ولد المرابط قد أكد في خطبته المثيرة «أن سب الشيعة الصفوية لصحابة الرسول كان ينقل إليه بالرواية، لكنه تمكن من التأكد منه مباشرة عبر اليوتوب وعبر الفيس بوك ومواقع التواصل»، التي أكد أنها «عرت بالصوت والصورة هؤلاء الصفويين الذين ينعتون كبار الصحابة بمن فيهم أبوبكر وعمر وعثمان وعائشة، بالمنافقين».
ووجه «نداءً ملحاً للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز ليدرج قطع العلاقات مع النظام الفارسي الإيراني ضمن حربه الموفقة لمكافحة الإرهاب التي نجح فيها ودحر خلالها التطرف والغلو عن موريتانيا»، مؤكداً «أن خطر النظام الصفوي الإيراني لا يقل خطورة عن الصهيونية اللعينة».
وشدد الإمام على «خطورة تغلغل الفكر العقدي الصفوي المتطرف في المجتمع الموريتاني السني لكونه سيرسخ وسيشعل النعرات الطائفية في بلد يعاني منها».
وقال «إن قطع العلاقات مع المد الصفوي الإيراني فرض شرعي اليوم ومطلب جمهوري للجمهورية الإسلامية السنية الموريتانية»، حسب قوله.
وقد أثارت هذه الدعوة التي تعاملت معها الحكومة الموريتانية بصمت رغم أنها لصدورها عن أكبر مرجعية دينية في البلد، تمس بصورة شبه رسمية العلاقات الموريتانية الإيرانية، ردود أفعال كثيرة بين المدونين والكتاب الذين انتقد العديدون منهم دخول المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، بينما اعتبر البعض منهم أن خطبة الإمام مأمور بها على المستوى الرسمي لتحريك ملف العلاقات الموريتانية السعودية المتجمد منذ أن تلكأت موريتانيا في إرسال جنودها لليمن وتغيب الملك سلمان عن القمة العربية في نواكشوط.
وفي خضم هذا الإنجراف كشفت أسبوعية «الأخبار إنفو» الموريتانية المستقلة (محسوبة على الإخوان)، عن دراسة سرية تتمضن مقترحات لإعادة المكانة التاريخية للشيعة في موريتانيا.
وذكرت الصحيفة «أن الدراسة التي وصلت الجانب الإيراني عن طريق رئيس مؤسسة «انقلاب» الثقافية محمد جواد أبو القاسمي، أكدت أن مستقبل العمل الشيعي في موريتاني «مضمون، وجد مبشر»، وأنه «يمكن أن تتحول معه موريتانيا إلى بلد شيعي كما كانت في الماضي، كما يمكن للعمل الشيعي أيضاً في الوقت الحاضر إذا وجد تنظيما مناسبا أن يعوض تراجع التشيع في المغرب وذلك من خلال جهود التنظيم والتأطير وزيادة الحضور في الميادين الثقافية الدعوية والإعلامية والاجتماعية الخيرية والاقتصادية».
وتوقعت الدراسة التي أعدتها جهات موريتانية «أن يؤتي العمل الشيعي إذا توافرت له الشروط والمقدرات أكله بسرعة، ليسمح برفع نسبة التشيع في موريتانيا من 1.5% إلى حولي 20% في ظرف 10 سنوات قادمة»، معتبرة أنه توجد «بيئة خصبة إذا أتيح لها من يتعهدها، فإنها ستسمح بحضور شيعي على المستويين النوعي والكمي».
ووصفت الدراسة السرية «العلاقات السياسية الجيدة بين موريتانيا والثورة الإسلامية في إيران، وتبادل الزيارات بين المسؤولين في البلدين وعلى أعلى المستويات، فضلا عن تبادل السفراء بينهما، بالعوامل التي «أسهمت في التخفيف من وطأة الدعاية الوهابية ضد الشيعة في موريتانيا وسمحت لبعض من رموز الشيعة بالجهر بمعتقدهم، والسعي لإقامة نواة لمؤسسات خاصة، وإجراء تظاهرات علنية لأول مرة منذ استقلال موريتانيا عام 1960».
واقنرحت الدراسة «وضع إستراتيجية واضحة للعمل الشيعي تجمع بين تنظيم الشيعة الموريتانيين والعمل على مضاعفة أعدادهم بأقصى وتيرة، وتأسيس مجلس أعلى استشاري للعمل الشيعي في موريتانيا، ودعم تأسيس الجمعيات والنوادي وتبني ودعم البعض القائم منها لكسبه، وإقامة مراكز وحوزات ومدارس ومساجد ومعاهد وجامعات في مختلف المناطق».
وضمن التعليقات التي أثارتها خطبة الإمام الأكبر، أكد محمد امين وزير الإعلام الموريتاني الأسبق «أن موريتانيا أقامت علاقات مع إيران حين كانت إيران محاصرة ومنهكة ومهددة بهجوم نووي من إسرائيل وأمريكا وبدعم وتحريض سعودي ..ثم شاء الله أن تفكك التحالف وخرجت ايران من الحصار وها هي تستعيد أموالها وتتقدم بخطوات واثقة نحو لعب دور القوة المتعاظمة أو الكبرى بعد أن اجتازت امتحانات القوة الإقليمية».
وأضاف «من يدعونا لطرد إيران يأمرنا بتصرف مهين لعقولنا ومضر بمصالحنا الاستراتيجية على المدى القريب والمتوسط والطويل ..فالأمم الكبرى لا تهان كرامتها، من جهة ثانية أذكر الناس بأن الجمهورية الاسلامية حين أقامت معنا هذه الصلات كنا في وضعية صعبة حيث تنكر لنا اليهود والعرب والنصارى في الوقت نفسه..وكنا مطاردين في المحافل العالمية ومحاصرين اقتصاديا ولقد أدى بروز هذه العلاقات الى دفع الغرب الى الاعتدال نحونا خشية أن نذهب بعيداً في التحالف مع ايران؛ فبسببهم أوقفنا الحصار وليس من اللائق أن نتنكر لهم تودداً لمن كان يرفض مصافحتنا في المحافل العالمية امتثالاً لأوامر وكالة المخابرات المركزية الامريكية، وفي ويكيليكس زاخر الدليل».
وفي تدوينة ضمن هذا النقاش، أكد الأستاذ الجامعي الدكتور الشيخ ولد سيدي عبد الله «أنه حذر مراراً من تسارع انتشار المذهب الشيعي في موريتانيا اعتماداً على تصريحات من يعتبر نفسه مرجعاً شيعياً في البلاد، المدعو بكار والذي ذكر أن اتباعه وصلوا منذ فترة الى خمسة آلاف أو أكثر، واعتماداً على الأرقام التي تنشرها وسائل إعلام شيعية عن التشيع في موريتانيا، لدرجة تم فيها الحديث عن مقاتلين من شيعة موريتانيا يقاتلون الى جانب حزب الله في سوريا».
وقال «حذرت وما زلت أحذر من عواقب هذا الصمت الحكومي إزاء التشيع وأتباعه في موريتانيا، والخلاصة أن موريتانيا في عين العاصفة الشيعية .. ولكن انقاذها لا يتم بالاحتماء خلف جدران أكثر خطرا فإنقاذ موريتانيا يتم بعودتها الى مذهبها الحقيقي ووسطيتها واعتدالها وجعلها رائدة العمل الاسلامي كما كانت عبر التاريخ، وليست تابعة، قائدة وليست مقودة». ودون الكاتب الصحافي محمد محفوظ ولد أحمد حول هذا الجدل مؤكدا قوله «كنت أعتقد أن حكاية التشيع والتهويل من خطر نشره في هذا البلد، ما هي إلا مزايدات شعبية لما يحمله البعض من أصداء التنافر والتنابز بين الإخوة السعوديين وجيرانهم الإيرانيين، نتيجة للتنافس السياسي الحديث، وللعداء المذهبي المتجذر، المتقد من طول المعاشرة والاحتكاك بين السلفيين الوهابيين ومواطنيهم من الشيعة الإمامية، لكن يبدو أن البعض يحاول إضفاء الجدية والحزم على المسألة ليدخل أهل هذا البلد في «حرب» لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وقال «إذا تعلق الأمر بالناحية العقائدية فلا وجود للتشيع الصفوي ولا الفارسي ولا العربي… في موريتانيا، ولن يوجد فيها مستقبلاً حتى لو حكمتنا ـ لا قدر الله ـ جمهورية إيران، أما إن كان الأمر في كنهه سياسياً بحتاً ـ كما هو الأرجح ـ فإن فينا الروافض والنواصب… بالقدر الذي تمليه المصالح الشخصية أو العواطف الساذجة».

عبدالله مولود(القدس العربي)