الاختصاصات الممنوحة لقضاة الحكم والنيابة العامة في إطار مسطرة التنفيذ الجبري-القاضي/عبدالله اندكجلي

أخر تحديث : الخميس 1 ديسمبر 2016 - 10:39 صباحًا
الاختصاصات الممنوحة لقضاة الحكم والنيابة العامة في إطار مسطرة التنفيذ الجبري-القاضي/عبدالله اندكجلي

“العوائق والإشكالات”

<دراسة في القانون الموريتاني>

أن تدخل أكثر من جهة في عمل بعينه يتطلب حتما تحديد مجال اختصاص كل واحدة من تلك الجهات بالشكل الذي يسمح بالتناغم والانسجام المطلوب بينها ويضع حدا لما قد يسجل من تعارض قد يصل في بعض الأحيان إلى التنافر والتناقض بين ما خوله القانون من اختصاصات لكل جهة من تلك الجهات خصوصا حينما يتعلق الأمر بممارسة تلك الاختصاصات، أو بتعبير آخر تطبيق ما نص عليه القانون من أحكام وما قد يتخلل ذلك التطبيق من عوائق تعكس بوضوح خلفية كل جهة دون التقيد بروح النص محل التنفيذ أو بالفلسفة التي وضع من أجلها أصلا، مما يثير في حقيقته أكثر من إشكال حول ما يمكن رصده مما قد يحصل من اختلالات بين النص وواقع تطبيقه، سواء تعلق الأمر بغموض في النص محل التطبيق أو بتداخل أو تعارض ما تضمنه من أحكام، أو بعدم التنصيص على بعض الأشكال والإجراءات التي تعد ضرورية لنفاذ القانون بالقدر الذي يضمن السرعة في الأداء والانسيابية اللازمة في التطبيق.

وعلى ضوء تلك المقاربة فإن المشرع الموريتاني لم يخول جهة قضائية بعينها مهمة القيام بالتنفيذ الجبري وإنما أناط تلك المهمة بالعديد من الجهات القضائية التي وإن تفاوت حجم الاختصاص الممنوح لكل واحدة منها حسب نوع وطبيعة تدخلها وأثره في عملية التنفيذ، فإن ما تتمتع به من اختصاص يعد في واقع الأمر بمثابة السلطة الممنوحة لها قانونا والتي تخولها الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحسن سير عملية التنفيذ والبت فيما قد يترتب عليها من منازعات من خلال ما يتم إصداره من أوامر وأحكام وقرارات.

وعلى خلفية عدم تركيز الاختصاص في التنفيذ الجبري بيد محكمة بعينها فقد أشرك المشرع الموريتاني النيابة العامة في عملية التنفيذ تلك، وذلك من خلال ما منحها من حق في الوصاية والمراقبة والإشراف على ما يقوم به العدول المنفذون من إجراءات من جهة ومده يد المساعدة سبيلا لاستعانتهم بالقوة العمومية أثناء تأديتهم لمهامهم من جهة أخرى، إضافة إلى ما تتمتع به النيابة العامة من سلطة واسعة في مجال الإكراه المدني.

مما يسمح بالقول بأن المشرع الموريتاني قد اقر مبدأ ازدواجية سلطة التنفيذ وذلك حينما قام بتوزيعها ما بين قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة الشيء الذي يطرح أكثر من تساؤل حول طبيعة ونوع السلطة الممنوحة لكل واحدة من تلك الجهتين؟ وعن أبرز ما قد يعترض مسطرة التنفيذ الجبري من عوائق وإشكالات في ظل تلك الازدواجية؟

أولا: الاختصاصات الممنوحة للمحاكم، العوائق والإشكالات
لقد منح المشرع الموريتاني من خلال ما نظمه من أحكام قضاة الحكم مجموعة من الاختصاصات في مجال التنفيذ الجبري، إلا أن تلك الأحكام لم تسلم في بعض جوانبها من عديد الهفوات التي تعود في مجملها، إما إلى غموض في النصوص المتعلقة بذلك، أو إلى عدم الانسجام بين النص وظروف تطبيقه…
الاختصاصات الممنوحة للمحاكم:
لقد نظم المشرع الموريتاني أحكام التنفيذ الجبري في الباب الرابع من الكتاب السابع من قانون الإجراءات المدنية، إذ بالعودة إلى تلك الأحكام يتضح أن المشرع قد أقر مبدأ عاما فيما يتعلق بجهة الاختصاص في تنفيذ الأحكام وذلك حينما أعتبر أن المحكمة التي أصدرت الحكم محل التنفيذ هي صاحبة الاختصاص في تنفيذه، فإذا ما كان الحكم مشمولا بالنفاذ المعجل أو كان نهائيا بحيث لم يكن قابلا للطعن بالاستئناف أو لم يطعن فيه أو تم تأكيده من طرف الغرفة المختصة بمحكمة الاستئناف فلا إشكال في مثل هذه الحالة لكون محكمة الدرجة الأولى التي أصدرته هي صاحبة الاختصاص في تنفيذه، فإذا ما تم إلغاء الحكم من طرف الغرفة المختصة بمحكمة الاستئناف، انعقد الاختصاص في التنفيذ لتلك الغرفة، أما إذا تم إلغاؤه جزئيا انعقد الاختصاص لها أو للمحكمة التي تعينها للقيام بذلك، ما لم يكن المشرع قد اسند تلك المهمة لمحكمة بعينها من خلال أحكام قانونية خاصة
إلا أن إمكانية إسناد مهمة التنفيذ تلك سواء بقوة القانون أو بناء على تعيين من طرف محكمة الاستئناف، وإن كان يعد استثناء من مبدأ اختصاص كل محكمة في تنفيذ أحكامها، فإنه لا يعد الاستثناء الوحيد الذي أقره المشرع الموريتاني وإنما أقر إلى جانبه العديد من الاستثناءات، كما هو الحال بالنسبة لاختصاص المحكمة التي تقع بدائرتها أموال المدين محل التنفيذ، أو كمحكمة الولاية فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام الأجنبية باعتبارها المحكمة التي ينبغي إجراء التنفيذ بدائرتها والتي يعود لرئيسها وحده الحق في إصدار الأمر بتنفيذ تلك الأحكام جبرا بحيث يعد أمره غير قابل لأي طعن باستثناء طريق الطعن بالنقض.
ضف إلى ذلك ما نص عليه المشرع من اختصاص لرئيس محكمة الولاية في الإذن بالتنفيذ الجبري لقرارات التحكيم الصادرة في دائرة اختصاصه، ما دام التحكيم لم يتعلق بنزاع منشور أمام محكمة الاستئناف عند صدور قرار التحكيم، إذ في مثل هذه الحالة يكون رئيس محكمة الاستئناف صاحب الاختصاص بالإذن بتنفيذ قرار التحكيم جبرا شأنه في ذلك شأن رئيس محكمة الشغل حينما منحه المشرع الاختصاص في تنفيذ محاضر التوفيق المبرمة أمام مفتش الشغل في منازعات الشغل ذات الطابع الفردي، غير أن محررات إدارة الشغل وإن كانت تختلف عن بعضها البعض من حيث الشكل والمضمون، ففي اعتقادنا أنه يمكن إسقاط ما خوله المشرع من اختصاص لرئيس محكمة الشغل فيما يتعلق بتنفيذ محاضر التوفيق على غيرها من محررات إدارة الشغل الأخرى، والتي لم يحدد المشرع جهة الاختصاص في تنفيذها كمحاضر لجنة الوساطة مثلا.
وكخلاصة للقول فإن الوقوف على ما نظمه المشرع من أحكام تتعلق بالاختصاصات الممنوحة للمحاكم في إطار مسطرة التنفيذ يظهر بجلاء أن مجال تلك الاختصاصات ينحصر بالأساس في إصدار الأوامر القاضية بالتنفيذ الجبري، والبت فيما قد يترتب على متابعة التنفيذ من منازعات، أو بتعبير المشرع الموريتاني تذليل ما قد يتخلل تلك المسطرة أثناء تنفيذها من صعوبات.

العوائق الإشكالات
إن معالجة المشروع الموريتاني لما منحه من اختصاصات للمحاكم فيما يتعلق بالتنفيذ الجبري لم تسلم من وجود العديد من الهفوات، التي من أبرزها أن المشروع حينما منح المحكمة التي تقع بدائرتها الممتلكات المنفذ عليها، الاختصاص بمتابعة التنفيذ المأمور به فانه لم يتطرف لما يجب اتخاذه من حلول في حالة ما إذا كانت الممتلكات أو الأشياء المنفذ عليها تقع في دائرة اختصاص العديد من المحاكم، بحيث لم يحدد في مثل هذه الحالة أيا من تلك المحاكم ستتم إحالة وثائق التنفيذ إليها، كما أنه لم يتطرف للجهة المحيلة ولا لنوع وكيفية الإحالة، هل تتم بواسطة إجراء قضائي كما هو الشأن بالنسبة للإنابة القضائية أم بواسطة إجراء إداري كمحول مثلا، وهل أن ملف التنفيذ يتعين استنساخه وإحالته إلى جميع المحاكم الواقعة بدائرتها الممتلكات المنفذ عليها أم أنه يتعين الاكتفاء بإحالة وثائق التنفيذ إلى أي من تلك المحاكم، وهل يتعين الرجوع في حالة تعدد المحاكم المختصة بمتابعة التنفيذ إلى المحكمة التي أصدرت الحكم أو الأمر القاضي بتنفيذه والمفترض أنها من أحالت ملف التنفيذ إلى المحكمة التي تقع بدائرة اختصاصها الممتلكات المنفذ عليها باعتبارها محكمة التنفيذ الأصلية، وذلك لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حسن سير مسطرة التنفيذ ولكون محكمة محل التنفيذ لا تتمتع في مجال متابعة مسطرة التنفيذ سوى باختصاصات محدودة جدا تعطيها الحق في تذليل ما قد يثار من صعوبات تتطلب حلا سريعا وبشكل مؤقت.
وإلى جانب ذلك فإن المشرع حينما لم يميز فيما نظمه من أحكام تتعلق بالاختصاص بين التنفيذ المباشر والتنفيذ بطريق التعويض يكون قد تجاهل إلى حد كبير خصوصية التنفيذ العيني التي تفترض أن يكون الاختصاص فيه للمحكمة التي يقع بدائرتها المنفذ ضده على اعتبار أن التنفيذ المباشر يستند في جوهره على شخص المدين أو المنفذ عليه وذلك لتعلقه بطبيعة التزام هذا الأخير المتمثل في تسليم عين ما التزم به من غير أن يكون مبلغا من النقود، ويستوي في ذلك أن يكون موضوع الالتزام عقارا أو منقولا، أو أن يكون التزاما بأداء معين أو الامتناع عن القيام به.
على أن رؤساء المحاكم وإن كانوا يتولون البت في المنازعات المتعلقة بالتنفيذ الجبري العيني أو بطريق التعويض بوصفهم قضاة للأمور المستعجلة فإن تلك الصفة قد لا تستمر كثيرا وذلك حينما يستحيل على المدين تنفيذ التزامه تنفيذا عينيا، ففي مثل هذه الحالة لا تكون محكمة التنفيذ مختصة لتعلق الأمر باستبدال حق الدائن وتغييره ولكون المسألة أصبحت تتعلق بمنازعة في الحق ذاته، وإنما ترفع المنازعة إلى المحكمة المختصة للحكم على المدين بالتعويض وفقا لقواعد قانون الالتزامات والعقود وانطلاقا من طبيعة الالتزام العيني ونوعه
غير أن المشرع لم يمنح الاختصاص لمحكمة بعينها مكتفيا في ذلك على جملة من الإشارات المتناثرة في قانون الالتزامات والعقود خصوصا في الأحكام المتعلقة بتنفيذ الالتزامات وآثار عدم تنفيذها، مما يفتح المجال واسعا أما تأويل إرادة المشرع للوقوف على المحكمة المختصة بالحكم على المدين بالتعويض، إما بالاستناد على قواعد الاختصاص العامة المتعلقة بالمحاكم والمستمدة من قواعد الموضوع المنطبقة على المنازعة والمقرر في قانون الإجراءات المدنية أو بالاعتماد على ما نظمه المشرع من أحكام فيما يتعلق بمكان تنفيذ الالتزامات بحيث تكون المحكمة الواقع في دائرة اختصاصها مكان التنفيذ المتفق عليه هي المحكمة المختصة، فإذا لم يتفق المتعاقدون على مكان معين للتنفيذ انعقد الاختصاص للمحكمة التي يقع بدائرة اختصاصها مكان إبرام العقد متى تعلق العقد بأشياء يصعب نقلها، أو تطلب نقلها تكاليف كثيرة، فإذا كان من الممكن نقلها دون صعوبة كان الاختصاص للمحكمة التي يقع بدائرتها الدائن على أن يكون الاختصاص في الالتزامات الناشئة عن جريمة للمحكمة التي باشرت القضية والتي لم يحدد المشرع نوع أو طبيعة مباشرتها تلك، فإذا كان السر في عدم اختصاص محكمة التنفيذ بالحكم على المدين بالتعويض عن عدم التنفيذ أو التأخر فيه يعود إلى أن تلك المسألة لا تعد من شروط وإجراءات التنفيذ ولا تؤثر فيه فإن المشرع الموريتاني قد أخرج استنادا على تلك الحجة العديد من الحالات الأخرى من دائرة اختصاص الجهات القضائية المكلفة بالتنفيذ.
فحينما يلجأ المدين مثلا نظرا لظروف معينة إلى طلب مهلة للوفاء بما ألتزم به، فإن طبيعة هذه المنازعة والجهة القضائية المختصة بالنظر والبت فيها تثير أكثر من أشكال، نظرا لكون المشرع الموريتاني لم يبوب فيما تناوله من أحكام خصوصا تلك المتعلقة بالإكراه البدني على عسر المدين باعتباره أهم أسباب طلب تلك المهلة وإن كان مع ذلك قد أجاز للقضاة في حدود ضيقة وبعد مراعاة مركز المدين أن يمنحوه أجلا مناسبا للوفاء دون أن يحدد نوع وطبيعة المحكمة المكلفة بالقيام بذلك، مما يظهر في مثل هذه الحالة عدم الانسجام البين ما بين قانون الالتزامات والعقود وقانون الإجراءات المدنية.
وإلى جانب ذلك تتجلى وضعية عدم الانسجام تلك في كون المشرع الموريتاني حينما تناول إمكانية منح المدين أجلا للوفاء لم يتطرق لمرحلة التقاضي التي يتعين عليه فيها طلب ذلك على اعتبار أن الأمر وإن كان واردا أثناء دعوى المطالبة بالحق إلا أنه قد يفتقر للمبررات القانونية والموضوعية حينما يكون في مرحلة التنفيذ وذلك لكون منح المدين مهلة للوفاء تأجيلا لتنفيذ أحد السندات التنفيذية يعد مساسا بالقوة التنفيذية لتلك السندات وخرقا للاحترام الواجب لها.
ولعل ما يفهم من ظاهر ما نص عليه قانون الالتزامات والعقود أن مرحلة التقاضي الوحيدة التي يمكن فيها منح المدين أجلا للوفاء هي مرحلة دعوى المطالبة بالحق والدليل على ذلك أن المشرع حينما منح حق إعطاء اجل للمدين أوجب إيقاف إجراءات المطالبة طيلة تلك الفترة
ضف إلى ذلك أن الفقه والقضاء قد انعقد إجماعها على التمييز من حيث قابلية الأحكام للتنفيذ الجبري بين أحكام الإلزام والأحكام المقررة وتلك المنشئة، حيث منح قابلية التنفيذ لأحكام الإلزام دون غيرها، من أنواع الأحكام الأخرى التي تنحصر طبيعتها أما في تأكيد رابطة قانونية أو إنشاء رابطة جديدة كالحكم مثلا بصحة العقد ونفاذه، أو كالحكم بتعيين حارس
بيد أن ما وضعه المشرع الموريتاني من أحكام بخصوص تلك الحالات وإن كان قد اكتنفته العديد من النواقص، فإن الأمر لم يكن بأحسن حال فيما يتعلق بتصفية الغرامات التهديدية أو المطالبة بالتعويضات الناتجة عن امتناع المنفذ عليه من تنفيذ التزام بعمل أو الامتناع عن عمل، وذلك حينما اكتفى المشرع بالإشارة إلى هاتين الحالتين دون أن يحدد طبيعة أي منهما أو الجهة القضائية المختصة بالبت فيهما، ومع ذلك فقد يفهم من السياق العام لتلك الأحكام ومن فحوى ما استخدمه المشرع من عبارات، أنه قد عقد الاختصاص في النظر والبت في ذلك للمحكمة التي كانت مختصة بالتنفيذ ليس بصفتها محكمة تنفيذ وإنما بوصفها محكمة حكم، وذلك لكونها من حكم بالغرامة التهديدية المراد تصفيتها ولكون الأمر لا يتعلق بمنازعة من منازعات التنفيذ.
وإلى جانب ذلك فإن المشرع الموريتاني حينما أناط الاختصاص فيما يتعلق بإصدار الحكم أو القرار القاضي بالإكراه البدني بالمحكمة التي أصدرت الحكم النهائي في القضية أو على حد تعبير المشرع تلك التي بتت بشكل نهائي، عاد بعد ذلك إلى القول بأن طلبات إطلاق سراح المنفذ عليه الخاضع لمسطرة الإكراه البدني تكون من اختصاص القاضي الذي تم اعتقال المدين بدائرته انطلاقا مما توقعه المشرع من إمكانية أن يكون سجن الاعتقال يقع بدائرة اختصاص محكمة غير تلك التي أصدرت قرار الإكراه البدني، ورغبة منه في حسم الجانب المتعلق بحسن سير تلك المسطرة وانسيابية إجراءاتها ووضع حد لما قد يكتنفها من عراقيل مادية، إلا أن المشرع الموريتاني مع ذلك لم يحدد نوع وطبيعة المحكمة التي اسند إليها الاختصاص فيما يتعلق بطلب الإفراج عن المنفذ ضده تاركا تحديد ذلك على ما يبدو للقياس على المحكمة التي أصدرت قرار الإكراه البدني، كما أنه لم يحدد نوع الأمر الصادر عنها والذي اعتبره نافذا بمجرد صدوره وغير قابل لأي طعن، وإن كان يفهم من خلال ما نظمه المشرع من أحكام في هذا الموضوع أن المسألة تتعلق بأمر الإفراج عن المنفذ عليه وليس بأمر رفض الإفراج عنه.
مما يترتب عليه اختصاص تلك المحكمة بإصدار الأمر بالإفراج عن المنفذ عليه حتى ولو تعلق ذلك بانتهاء مدة حبسه المحددة من خلال القرار القاضي بالإكراه البدني، وذلك على الرغم من أن المشرع قد حدد حالتين يمكن للمدين السجين إطلاق سراحه بسبب توافر أي منهما وتتلخص هاتين الحالتين في إعفاء الدائن على المدين من جهة ودفع أو إيداع المبلغ المستحق للدائن والمصاريف عند الاقتضاء من جهة أخرى.

ثانيا: الاختصاصات الممنوحة للنيابة العامة “العوائق والإشكالات”
تتمتع النيابة العامة في إطار مسطرة التنفيذ الجبري بالعديد من الاختصاصات التي وإن كانت بمثابة أدوات مهمة وأساسية للمساهمة في انسيابية إجراءات التنفيذ الجبري، إلا أنها في واقع الأمر تعد عائقا في وجه تلك الإجراءات بسبب ما يشوب عمل النيابة العامة من اختلالات أثناء ممارستها لتلك الاختصاصات.
الاختصاصات الممنوحة للنيابة العامة
لقد منح المشرع الموريتاني النيابة العامة جملة من الاختصاصات الواسعة في مجال عملية التنفيذ الجبري، وذلك من خلال ما منحها من حق في الوصاية على العدول المنفذين والإشراف على ما يقومون به من أعمال والمراقبة على صحة ما يتخذونه من إجراءات وعلى سلامة ما يترتب على تلك الإجراءات من تداول للقيم والأموال إضافة إلى ما خولها من سلطة في مد يد المساعدة الذي يعتبر بمثابة تسخير للقوة العمومية من أجل حماية وتمكين العدل المنفذ من القيام بمهامه على الوجه الأكمل سبيلا لإجبار المدين على الوفاء بما تضمنه السند محل التنفيذ من حقوق ثابتة للدائن.
وبما أن النيابة العامة تعد الجهة القضائية الوحيدة التي يلجأ إليها العدل المنفذ للحصول على مد يد المساعدة فإن موافقتها على ذلك تتطلب أن تتوافر في ملف التنفيذ المقدم إليها جملة من الشروط التي منها ما هو موضوعي يتعلق بالسند ذاته حتى يكون قابلا للتنفيذ، ومنها ما هو شكلي كتسجيل السند وتحليته بالصيغة التنفيذية، ووجود أمر بتنفيذه جبرا إضافة إلى محضر موقع من طرف العدل المكلف بالتنفيذ والمحكوم عليه يثبت إبلاغ أمر التنفيذ الجبري لهذا الأخير وإشعاره بوجوب التسديد داخل أجل عشرين يوما من تاريخ الإبلاغ بالنسبة للأحكام والقرارات وثمانية أيام بالنسبة للأوامر الاستعجالية، وأن يتضمن الملف المقدم لوكيل الجمهورية إلى جانب ذلك ما يثبت إسناد مهمة التنفيذ للعدل المنفذ من طرف الشخص المستفيد من هذا التنفيذ وأن يكون مرفقا بطلب مد يد المساعدة مع وجود إفادة تثبت عدم الطعن بالمعارضة أو الاستئناف متى تعلق التنفيذ بحكم ابتدائي غير مشمول بالنفاذ المعجل ومع ذلك فإن المشرع الموريتاني قد استثنى من ضرورة اللجوء إلى تلك الإجراءات، الأوامر على العرائض والأوامر بالحجز التحفظي وحجز ما للمدين لدى الغير نظرا للطبيعة التي تتمتع بها تلك الأوامر والأسباب التي تدفع بالقاضي إلى إصدارها والتي تعود في مجملها إما إلى قيام خطر محدق يتعين معه اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية حقوق ومصالح أحد الأطراف وإما بحجز الأشياء المنقولة وجعلها تحت يد القضاء منعا للمدين من التصرف فيها أضرارا بدائنه مما يضفي على تلك الأوامر طابعا استثنائيا خاصا يتسم بالاستعجال الشديد بحيث يؤدي إخضاعها للإجراءات العادية للتنفيذ إلى إفراغ ما استند عليه المشرع في تنظيمه لأحكام تلك الأوامر من محتواه وإلى ضياع حقوق ومصالح من شرع لأجله طلب إصدارها وإلى جانب ما خوله المشرع للنيابة العامة من حق في الرقابة ومد يد المساعدة فقد اوجب وضع النيابة العامة ممثلة في وكيل الجمهورية لتأشيرها على الحكم أو القرار القاضي بالإكراه البدني لكي يكون قابلا للتنفيذ.
العوائق والإشكالات
إذا كان المشرع الموريتاني قد توسع إلى حد ما فيما يتعلق بسلطة الوصاية والمراقبة والإشراف على العدل المنفذ وعلى ما يقوم به من أعمال رغم ما في ذلك من تأثير على عملية التنفيذ، فإنه قد اكتفى بمجرد النص على إجراء مد يد المساعدة دون أن يحدد طبيعته القانونية أو مجاله ومداه أو أن يحدد الطرق والإجراءات الواجب اتخاذها لاستصدار الأمر به أو أن يحدد أجلا للبت فيه، ولعل ذلك مما حدا بالكثير من المهتمين والمتعاطين مع الشأن القضائي والقانوني إلى النظر إلى هذا الإجراء كعائق في وجه التنفيذ وذلك من منطلق أن مجرد النص عليه بصورة مقتضبة في قانون الإجراءات المدنية، يدل على أن المشرع قد منح النيابة العامة سلطة واسعة في تقدير ما إذا كانت ستقرر الأمر بإجرائه أم لا، انطلاقا من طبيعة التنفيذ المراد فيه مد يد المساعدة واستجابة لما قد تمليه تبعيتها التسلسلية لوزير العدل، مما أدى إلى ضياع حقوق الكثير من أصحاب التنفيذ داخل أروقة وكالات الجمهورية بسبب عدم بت هذه الأخيرة في طلبات مد يد المساعدة الموجهة إليها من طرف العدول المنفذين على الرغم من استكمالها لجميع الشروط الشكلية والموضوعية اللازمة لذلك، تلك الشروط وإن كان من المستبعد عدم توافر أي منها فيما قد يتقدم به العدول المنفذون من طلبات، نظرا لحرصهم الشديد على منحهم مد يد المساعدة، ولعلمهم أن وكيل الجمهورية المختص لن يعطي موافقته على منح هذا الإجراء ما لم يتأكد من أنه قد تم احترام جميع الشروط المنصوص عليها قانونا للقيام بذلك.
وكخلاصة للقول فإن التطبيق غير السليم من طرف النيابة العامة لنص المادة 298 من قانون الإجراءات المدنية في جزئها المتعلق بمد يد المساعدة وعدم مراعاتها لروح نص تلك المادة وإن كان يعد من أبرز العوائق والإشكالات التي تعترض سبيل التنفيذ الجبري باعتباره ثمرة لعملية التقاضي ومحطة لا غنى عنها في إيصال الحقوق لأصحابها أيا كان مصدر تلك الحقوق، فإن تعدد الجهات المتدخلة في عملية التنفيذ والتفاوت البين وعدم الانسجام الواضح ما بين جهة الوصاية والإشراف والمراقبة وبين جهة الأمر بالقيام به والبت فيما قد يترتب عليه من منازعات يعد هو الآخر عائقا في وجه تلك العملية مما يفرض على المشرع الموريتاني ضرورة مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بالتنفيذ بالشكل الذي يتم فيه توحيد قواعده ضمن نص قانوني خاص، وجعل كل الجوانب المتعلقة به من وصاية وإشراف ومراقبة ونظر وبت في جميع منازعاته من اختصاص قاض واحد.

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة المراقب الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.