حديث عن اخلاقيات القاضي……../القاضي-محمدينج

14 ديسمبر,2016

لحساسية المهنة التي يقوم بها القاضي فإنّ سلوكه لم يترك للاختيارات الشخصية له وإنّما تمّت محاولة تنظيمه منذ أمد ليس بالقصير ويتضح بعض ذلك من أنّ الشريعة الإسلامية اهتمت في عصورها المبكرة به عبر حديث الفقهاء عن واجبات وآداب القاضي كما أن القانون الفرنسي تناوله في الأمر القانوني الصادر سنة: 1667 الذي أخذت مدونة الإجراءات الفرنسية الصادرة سنة: 1807 كثيرا من مقتضياته في هذا الموضوع Guy Canivet / Julie – Joly Hurard la déontologie de magistrat Dalloz 2 édition p 100 من ذلك وغيره وفي فترة متأخرة ولدت بعض القواعد التي أطلق عليها لاحقا أخلاقيات القاضي التي يمكن تعريفها بأنّها القواعد التي ألزمت القواعد القانونية والتقاليد المهنية القاضي بالتمسك بها ابتغاء تحقيق أهداف متعددة منها:
– أداء القاضي لوظيفته على الوجه الأمثل
– دفعه نحو التصرف بشكل يحمل المجتمع على الاقتناع بأنّه أهل لممارسة الوظيفة الحساسة الموكولة إليه.
لذلك فإن المتمعن في أخلاقيات القاضي يجد أنّها في جوهرها لا تعدو كونها مجموعة من القواعد يستهدف تقريرها حمل القاضي على التصرف بشكل يعمل على الرفع من شأنه هو ووظيفته في أعين الجمهور .
ولأنّ قواعد أخلاقيات القاضي متداخل بعضها ببعض بحيث يصعب التمييز بينها في بعض الأحيان خاصة على غير المتمكنين أمثالي ولأنّ مقالا كهذا لا يمكنه التعرض بشكل مفصل لها جميعا كان لا بدّ لي من دمج بعضها في بعض وذلك باعتبار أنّ الحديث عن أكثرها أهمّية ينطوي على التعرض لغيره منها ولأنّه لا توجد كتابات وطنية في الموضوع كان من اللازم الاستنجاد بالفقه واجتهاد المجلس الأعلى للقضاء في فرنسا لأن التشكلة التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء في بلدي لم تصدر منذ دخولي للمهنة إلا قرارا واحدا مثيرا للجدل من حيث الشكل والمضمون … وعموما سنحاول تناول الموضوع من خلال تقسيمه إلى مطلبين نتناول في أولهما أخلاقيات القاضي على المستوى المهني بينما نتعرض في مطلب ثان لهذه الأخلاقيات على المستوى الشخصي آملين أن يثير هذا المقال اهتمام المهنيين بالموضوع فيتناولونه بطريقة أكثر شمولا ورصانة ذلك أنّ مدونة أخلاقيات القاضي الوطني على أهميتها لم يسبق أن تمّ تناولها رغم مرور ما يزيد على 9 سنوات على صدورها هذا مع أنّ الشعور بالانزعاج داخل القضاة من انتهاك وزراء العدل للقانون في حقّهم تزايد في الفترة الأخيرة حتى دفع ببعضهم إلى التعبير عن انزعاجه من ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأخرى في ساحة لم تألف ذلك ممّا جعل التعرض للموضوع على درجة من الأهمية ليس لأنّه محاولة لبيان ما يجوز للقاضي وما لا يجوز له في ضوء النصوص الناظمة لمهنته فحسب وإنّما لأنّه أيضا يتناول موضوعا من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الساحة المهنية في الفترة الراهنة.
المطلب الأول: أخلاقيات القاضي على الصعيد المهني
لا جدال في أنّ تقيد القاضي بأخلاقياته في إطار ممارسته لوظيفته على درجة عالية من الأهمية نظرا لأنّه تتجلى فيه وبه هذه القواعد في شكلها العملي الذي يبعث على الثقة في العمل القضائي لذلك سنتعرض لبعض الأخلاقيات التي يجب على القاضي التقيد بها في إطار ممارسته لمهنته عبر النقاط التالية:
ا-الاستقلال
استقلال السلطة القضائية معترف به للقاضي والمتقاضي لضمان مساواة الجميع أمام القانون ولضمان الوصول إلى قاض جيّد ذلك أنّه هو الشرط الأول للمحاكمة العادلة وهو مضمون على صعيدين:
α-المستوى المؤسسي:
*أوجب القانون على القضاة الدفاع عن استقلالهم لأنّه هو الضمان لبتّهم في القضايا وفقا للقانون وطبقا لعناصر الملف بعيدا عن كل تأثير سببه خوف من عقوبة أو طمع في مقابل ويعد كلّ من عدم قابلية العزل أو التحويل ومنع المساس بالمسار المهني للقاضي ضمانات أساسية في هذا المضمار لذلك يجب على القاضي حماية لاستقلاله بالإضافة إلى ما سبق:
-أن لا يسعى إلى إبرام علاقة مع أفراد السلطة التنفيذية أو التشريعية وإن كانت موجودة لأسباب سابقة لتولي المنصب فيجب عليه العمل على عدم كشفها إلا لأسباب تتعلق بطلب عزله عن القضايا المتعلقة بهم أو لأعضاء التشكلة التي ستبت معه في الملف المتعلق بهم من أجل التشاور معهم في موضوع طلب عزله عن القضية ويشار إلى أن مدونة أخلاقيات القاضي الفرنسي Recueil des obligations déontologiques des magistrats p 1-2-3 (سنرمز لها لاحقا بالرمز Recueil) تنص على أنّه يجب عليه طلب العزل في هذه الحالة كما تنص المادة: 14 من مدونة أخلاقيات القاضي في موريتانيا ( سنرمز لها لاحقا بالرمز م أ ق م) على ذات المقتضيات وفي هذا المضمار بعد أن نصّت الفقرة الأولى من المادة: 2 من ذات المدونة على أنّه (لا يمكن الاستغناء عن استقلال القضاء لتأدية عدالة محايدة) جاء في فقرتها الثانية: ( يجب على القاضي احترام استقلالية القضاء وتشجيع تطبيق إجراءات وضمانات من شأنها الحفاظ على هذه الاستقلالية وتنميتها ) جعلت المادة: 4 من ذات المدونة على قرار مدونة أخلاق القاضي في فرنسا من واجبات القاضي العمل على استقلال القضاء والدفاع عنه بنصها على أنّه يجب على القاضي الدفاع عن استقلاله ومجابهة كلّ الضغوط التي تستهدف التأثير على استقلاله مهما كان مصدرها Recueil p 1 وفي نفس الإطار نصت المادة: 3 من م أ ق م على أنّ على ( القاضي تحاشي أي سلوك من شأنه أن يخلّ بثقة العموم في سيادة القانون أو استقلال القضاء )
-أن لا يطلب أن يكون محلّ تعامل خاص أو الحصول على مزايا خاصة له هو أو لأحد أقربائه Recueil p 1
-ولزرع مزيد من الثقة والأمان في روح القضاة تشجيعا لهم على ممارسة وظائفهم بكلّ أمان ودون أيّ خوف ضمانا لاستقلالهم فإنّه لا يمكن أن يتابعوا بسبب الأحكام التي أصدروا Recueil p 3 وذلك ما لم يتعلق الأمر بالخطأ الواضح المتمثل في انتهاك قاعدة إجرائية تتعلق بحماية حقوق أساسية لأحد الأطراف فهذا النوع من الأخطاء تمكن متابعة القاضي تأديبيا بسببه انطلاقا من الفقرة الثانية من المادة:43 من الأمر القانوني المتضمن النظام الأساسي للقضاء في فرنسا غير أنّ مراجعة قرارات التشكلة التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء في فرنسا تشي بصعوبة إقناع المجلس بعقاب القاضي تطبيقا لهذه المادة ويمكن أن يكون القرار الصادر عنه بتاريخ: 28 /01/ 2014 مثالا حسنا على ذلك وللاطلاع عليه تمكن مراجعة موقع (C S M)
β-المستوى المهني
– يجب على القاضي أن يطبق القانون على مستوى دراسة القضية وحتى الحكم فيها بطريقة قانونية تشي باستقلاله دون أن يحسب أيّ حساب للسلطة التنفيذية أو التشريعية أو لرؤسائه أو للإعلام أو الرأي العام لأنّ هدف القاضي ليس إرضاء أيّ أحد أو إثارة سخط أيّ أحد بل هدفه الوحيد هو التطبيق السليم للقانون في إطار وظائفه الدستورية التي يقع على رأسها حراسة الحريات الفردية Recueil p 3-4 وهذا ما يمكن فهمه من مقتضيات المواد: 6 و7 و8 من م أ ق م
– عند ما يلاحظ القاضي أنّ هناك ضغوطا في قضية معينة فإنّه يجب عليه اللجوء إلى تعهيد التشكلة المتعدّدة متى كان ذلك ممكنا Recueil p 4 وهو ما فتحت له الباب الفقرة الأولى من المادة: 237 من ق إ م ت إ
ب- الحيـــــــاد
يعتبر الحياد أحد الواجبات الأساسية الموضوعة على كاهل القاضي لأنّه ضمانة أساسية هدفها التكريس الفعلي لمبدإ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في الدستور ونصوص أخرى والذي يعتبر أحد أكبر وأهمّ القيم التي تقوم عليها الجمهوريات في العصر الحديث ويعتبر مساويا للاستقلال ومتداخلا معه في عدّة جوانب منها الأهمية ومساهمته كلّ منهما في زرع ثقة الجمهور في القضاء لذلك يتطلب الحياد:
* أن يبرهن القاضي على التمسك به انطلاقا من فتح الدعوى وحتى صدور الحكم وعبر تحريره للحكم بإتباع الإجراءات القانونية المعروفة بطريقة يعبر عنها الحكم وتبرهن عليها مراجعة الملف وهذا ما يفهم من منطوق ومفهوم المواد: 6 و 7 و 10 و 11 و 12 من م أ ق م وممّا جاء في Recueil p 7- 9
*أن يوفر للقاضي من الوسائل المادية ما يجعله في مأمن من الحاجة إلى الآخرين وذلك بأن توفر له الطواقم والأدوات الكافية لأداء عمله ويشار إلى أنّ بعض القضاة والكتاب وكتاب الضبط تجبرهم في الظروف الراهنة كثرة العمل وعدم الخبرة في التعامل مع وسائل الطباعة إلى اللجوء إلى طلب المساعدة من الآخرين أي الغرباء عن القطاع كما أنّ القضاة كثيرا ما يؤجرون مساكنهم من طرف أحد سكان المدينة التي يعملون فيها وكثيرا ما يثير أو تثار ضدّ بعض هؤلاء قضايا أمام المحكمة التي ربطتهم علاقة بأحد العاملين فيها وكلّ هذه الأمور في مجتمع مثل مجتمعنا يمكن أن لا تدعم الثقة في حياد القاضي بالنسبة للقضايا المتعلقة بهؤلاء ممّا يتطلب اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة هذا النوع من الصعوبات التي تدعوا لها الظرفية التي توجد فيها السلطة القضائية ويتعزّز هذا في ضوء أنّ العمل على الحياد يتطلب في فرنسا مثلا أن لا يظهر قضاة النيابة صداقاتهم مع القضاء الواقف أمام الأطراف أو ممثليهم Recueil p 10 فكيف بعلاقتهم بالآخرين
* يجب أن يكون من باب الضرورة التي يمكن أن تدفع إلى تحويل القاضي دون طلب منه العمل على أن لا يقضي القاضي فترة طويلة في منطقة لما يمكن أن يترتب على ذلك من نشوء علاقات بينه مع بعض سكانها يمكن أن تمس بحياده في نظر الجمهور خاصة في النزاعات المشمول فيها أحد هؤلاء أو قريبه كما هو الحال في فرنسا Recueil p 9- 2 ويشار إلى أنّه في موريتانيا يمكن أن يقضي القاضي في مقاطعة صغيرة أكثر من سبع سنوات
*عدم إظهار القاضي لموقفه قبل الحكم في القضية وكذلك تفادي النطق بالحكم على الكراسي خاصة في القضايا الجزائية التي تتعدد فيها أفراد التشكيلة ذلك أنّ الحكم في أيّ قضية على الكراسي يمكن أن يفهم من خلاله أنّ المحكمة لا تولي اعتبارا للمرافعات ولا تقوم بمداولة تدرس من خلالها القضية بشكل كاف Recueil p 10-11 ويدخل في هذا الإطار الرفض الشفوي المباشر لطلبات المتقاضين فالمرافعات وإدارة الجلسات والرد على الطلبات يجب أن تكون بحذق فنيّ عال كما يجب على القاضي الحذر من أن تؤثر عليه معارفه القبلية المتعلقة بموضوع معين أو معتقداته السياسية أو المذهبية أثناء درسه لأيّ قضية أو الحكم فيها Recueil p 4
*يجب على القاضي أن لا يقبل أيّ هدية حتى ولو كان ذلك بمناسبة اجتماعية تخصه متى كان ذلك من الممكن أن يمس حياده في رأي الجمهور Recueil p 12 كما يجب عليه هو عدم تقديم الهدايا للغير ما لم يكن مقدم الهدية أو المقدمة له ممّن لا يجوز له النظر في قضاياهم نتيجة للقرابة ذلك أنّه يجب أن يعتبر أنّ كلّ شخص هو في الحقيقة متقاض محتمل يمكن أن يجلب إليه أو يجلب هو شخصا آخر إلى ذات القاضي ويبدو أنّ التشكيلة التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء في فرنسا تتعامل مع هذا الأمور بصرامة حيث أصدرت قرارات تأديبية بسبب إخلال القضاة بها منها القرار الصادر بتاريخ: 27 /06/1991 الذي أدى إليه عدم طلب قاض العزل ومشاركته في قضية أحد أطرافها كانت تربطه به علاقة والقرار الصادر بتاريخ: 21/12/1994 عن التشكيلة التأديبية للقضاء الواقف الذي بموجبه تمّت معاقبة أحد قضاة النيابة بسبب مشاركته في تحريك … الدعوى العمومية ضدّ أشخاص تربطه بهم علاقة Guy Canivet / Julie – Joly Hurard op. cit p 101 ويشار إلى أنّ الشريعة الإسلامية اهتمت كثيرا بحياد القاضي ووضع فقهاؤها كثيرا من القواعد التي يؤدي التمسك بها إلى صيانته في نظر المتقاضين يضيق الحديث عنها هنا ونحيل في شأنها إلى كتب الفقه الإسلامي المعروفة
ج-الاستقامـــة والنــــزاهـــة:
يجب على القاضي أن يساهم عبر سلوكه المهني والاجتماعي على رفع قيمة السلطة القضائية في أعين المواطنين ويكون ذلك بتقديمه عبر سلوكه عامة لمثال يحتذى به في:
– مدى التمسك بالقانون والتقاليد القضائية بما في ذلك المتعلقة بالتبعية الإدارية لذلك عاقبت التشكيلة التأديبية الخاصة بالقضاء الواقف أحد نواب وكيل الجمهورية لأنّه واصل التدخل في ملف تمّ عزله عنه من طرف رؤسائه ولأنّه لا يلتزم بالصدق والأمانة في ما يقص عليهم من أمور متعلقة بسير بعض الإجراءات وما وصل إليه التحقيق فيها وهذا ما يستنتج من القرار الصادر بتاريخ: 14/06/2016
-التمسك بالصدق والإخلاص و الأخلاق الحميدة عبر عمله ومختلف نشاطاته الشخصية المتعلقة مباشرة بوظيفته كما لا يمكن أن يستغل وظيفته للحصول على أيّ مزايا خاصة له هو أو أحد أقاربه حسب المشروح في Recueil p 2
-الصرامة في تسيير الموارد المالية الموضوعة تحت يده وكذلك العمل على صيانة ما يوضع تحت يد العدالة من أمور كالمحجوزات … لذلك تمّت معاقبة رئيس محكمة بسبب استعماله في أمور شخصية لميزانية تسيير محكمته بالقرار الصادر عن التشكيلة التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء بتاريخ: 28 مارس 1996 …
د- التطبيق السليم للقانون
القاضي ملزم بتطبيق القانون بصرامة ونزاهة في كلّ الأحوال والظروف ليس نتيجة لطبيعة مهنته فحسب وإنّما تطبيقا لعدة مواد قانونية منها المادتين: 11 من ق ن أ ق و 8 من م أ ق م لذلك فإنّه يمنع عليه عدم تطبيقه بحجة أنّه غير عادل أو غير واضح … أو إحالة تحديد النصوص المنطبقة على قضية معينة إلى خبير وهذا ما يستنتج منه أّنّه:
-يجب على سلطة الوصاية أن تكوّن القاضي قبل ممارسته لوظيفته تكوينا على درجة عالية من الجودة
– يجب على سلطة الوصاية تزويد القاضي بجميع النصوص القانونية والاجتهادات القضائية اللازمة لممارسته لوظيفته
-يجب على سلطة الوصاية أن تعمل على التكوين المستر للقضاة حتى يكونوا في وضعية معرفية تسمح لهم بممارسة وظائفهم على الشكل الأمثل ومسايرة التطور التشريعي هذا مع أنّ على القاضي نفسه أن يعمل بصفة شخصية على الرفع من مستواه المهني انطلاقا من مجهوده الذاتي ويشار إلى أنّ التكوين المستمرّ بالنسبة للقضاة كان في فرنسا حقّا للقاضي تطبيقا لمقتضيات القانون النظامي رقم: 92/ 189 لكنّه أصبح الآن واجبا بمقتضى تعديل للقانون المذكور بموجب القانون رقم: 2007/ 287 الصادر بتاريخ: 05 مارس 2007 Guy Canivet / Julie – Joly Hurard Op. cit. p 108
هـ-العناية بالآخريـــن:
يجب على القاضي أن يبرهن من خلال تصرفاته على أنّه يمنح العناية اللازمة للآخرين سواء تعلق الموضوع بزملائه من قضاة وكتاب ضبط أو مختلف أفراد الأسرة القضائية من محامين وعدول منفذين وكذا المتهمين وكلّ مراجعي العدالة مثل الضحايا والأطرف المدنية … وجميع المتقاضين في المادة المدنية وذلك بمنحهم الوقت الكافي للاستماع إليهم في ظرف يسوده الاحترام فالقاضي يجب عليه أن يعبر عبر كلّ ما يصدر منه عن احترام الآخر كما أنّه ملزم بفرض احترام الآخر داخل الجلسة ومن احترام المتقاضي احترام المواعيد التي منحت له خاصة إذا تعلق الأمر بوقت عقد الجلسات وذكر الطلبات في الحكم والحجج التي أيدها بها الأطراف والرد على كلّ ذلك بمهنية ولباقة تشي بالحياد التام وهذا ما يفهم من منطوق المادة: 12 من م أ ق م التي جاء فيها أنّ على القاضي ( أن يجامل كلّ من أمامه مع إدارة للنقاش بحزم وسرعة ) ومفهوم المادة: 17 من ذات المدونة ومن العناية بالآخرين البتّ في القضايا المتعلقة بهم في فترة معقولة المبوب عليه بعدّة نصوص منها المادة: 15 من إ م ت إ والمادة: 9 من م أ ق م فبذلك تطبع الرزانة وعدم الإفراط سلوك القاضي ومن القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء في فرنسا في التشكلة التأديبية له والتي تشكل برهانا على صعوبة إقناعه بإصدار عقوبة تأديبية في حقّ قاض بسبب الكلام غير الإداري مع زملائه القضاة وكتاب الضبط والمحامين القرار الصادر عن التشكلة التأديبية للمجلس بتاريخ: 20/ 09/ 2012 للاطلاع عليه تمكن مراجعة موقع (C S M)
و-واجــب التحفــظ:
في بداية تعرضنا لواجب التحفظ نشير إلى أن القاضي مواطن له جميع الحقوق التي منح القانون للمواطنين غير أنّ انتماءه لسلطة تشكل الحكم بين المواطنين فرض عليه التصرف بشكل لا يضرّ بسمعة هذه السلطة أو يقللّ من شأنها في أعين الجمهور وهذا ما نصّت عليه الفقرة الثانية من المادة: 9 من م أ ق م وانطلاقا من ذلك ومن قاعدة أنّ الأصل في الأشياء الإباحة فإنّه يجوز للقاضي فعل ما يجوز للآخرين فعله ما لم يكن ماسا بسمعة القضاء أو ممنوعا عليه بمقتضى نصّ خاص وممّا منع القانون على القاضي:
* المشاركة في كلّ تظاهرة معادية لنظام أو شكل الحكومة
* التطرق في الصحف والإعلام بصفة عامة لمواضيع سياسية يمكن أن تجلب الشك في حياده أو أن تمس من مصداقية القضاء
* الدعوة إلى الإضراب أو المشاركة فيه
*الانتماء إلى النقابات أو تشكيلها
*إعطاء أي استشارة قانونية
*الحديث عن المسائل المعروضة على القضاء
كلّ هذه الأمور ممنوعة على القاضي تطبيقا للمواد:11 و 14 من ق ن أ ق والمادتين: 20 و 21 من م أ ق م ويستثنى من ذلك بنص المادة: 21 من م أ ق م آنفة الذكر المشاركة في النقاشات التي (تخص مباشرة سير المحاكم والاستقلالية أو وسائل أساسية لإدارة العدالة ) كما تستثنى منها بنص المادة: 14 من ق ن أ ق القيام بأعمال علمية أو أدبية أو فنية ويدخل في الاستثناء المقالات الفنية الهادفة إلى الدفاع عن استقلال القضاء نظرا لعدّة أسباب منها:
* أنّ المواد: 21 و 2 و 3 و4 الكلّ من م أ ق م توجب كلّها على القاضي الدفاع عن استقلاله بكلّ الطرق نظرا لأنّها لم تحدّد طريقة معينة للدفاع عن هذا الاستقلال
* أنّه يفهم من روح ونص مدونة أخلاقيات القاضي حثّها للقاضي على الدفاع عن استقلاله
* أنّ القضاء لا يمكن أن يتصف بالمصداقية في أعين الجمهور إلا إذا كان قادرا على الدفاع عن استقلاله فمن لا يستطيع حماية حقوقه المقرّرة له بمقتضى الدستور ومختلف النصوص القانونية النظامية وغيرها يحتمل أن لا يقتنع الغير بجدوائية الاستنجاد به ليحمي له حقوقه
المطلب الثاني: أخلاقيات القاضي على الصعيد الشخصي
لخطورة الوظيفة التي أسند المجتمع للسلطة القضائية ولما تمتاز به هذه الوظيفة من علاقة مباشرة بالمصالح الأساسية والحساسة بالنسبة للفرد والمجتمع وفي مقابل الامتيازات التي منحت المجتمعات الديمقراطية للسلطة القضائية التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر تنظيمها بقوانين نظامية خاصة تمنع:
*عزل القضاة عن البتّ في القضايا التي خولهم القانون البتّ فيها
* تحويل القضاة بدون رضاهم إلا لظروف قاهرة
*متابعتهم بالطرق العادية التي يمكن أن يتابع عن طريقها معظم المواطنين والموظفين
*التدخل في مساراتهم المهنية
*المسّ من استقلالهم في ممارسة وظائفهم واحتكارهم لصلاحية البتّ في الأمور المتعلقة بالحريات والممتلكات …
لذلك كان على القاضي أن يعطي مقابلا لذلك هو إظهاره لجدارته بتلك الامتيازات عبر البرهنة بسلوكه الشخصي في إطار حياته الاجتماعية بأنّه شخص غير عادي يستطيع القيام بدور الحكم في مجتمعه وأهلا ليكون الحارس للحريات الفردية فيه لذلك وعلى حدّ تعبير ابن فرحونة في تبصرته ( ج 1 ص 46) يجب على القاضي أن يتفطن إلى نفسه ويأخذها على كلّ ما من شأنه أن يرفعه عند الله وفي أعين الناس ويدرك أنّه محط أنظار العامة والخاصة وقدوة لهم جميعا فبذلك تتعزز مصداقيته الشخصية كما يضفي ذلك كثيرا من الاحترام والمصداقية على أعماله ويجعله فوق الشبهات عند المتقاضين ومن الأسباب التي تساهم في ذلك:
-احترام القانون في إطار سلوكه الشخصي بأداء جميع التزاماته الضريبية واحترام قانون المرور …والصدق في المعاملات واحترام المواعيد لكي يكون في الظاهر على الأقل مثالا في التمسك بالقيم النبيلة والخضوع للقانون … و لا يتهم باستغلال النفوذ أو التهرب الضريبي
-الابتعاد عن أماكن السوء وأهله مطلقا أو ما أمكن على الأقلّ ولأنّه لا توجد لدينا قرارات محلية صادرة عن المجلس الأعلى للقضاء في هذا الموضوع لجأنا من جديد إلى المجلس الأعلى للقضاء في فرنسا الذي ذهبت التشكلة التأديبية له إلى أنّه يعد سلوكا مخلا بشرف القاضي ومؤديا إلى متابعته وعقابه تأديبيا:
* الاتصال بالمنحرفين أو التواجد في أما كنهم خارج إطار العمل ( القرار الصادر عنه بتاريخ: 14 مارس 1954 )
*إبرام علاقة مع قوّادين بعضهم له مشاكل مع العدالة (القرار الصادر عنه بتاريخ: 19 مارس 1965 )
*استقبال القاضي في منزله لشخص من متعاطي المخدرات ( القرار الصادر عنه بتاريخ: 11 يناير 1980 )
* ممارسة الرياضة مع متهم لا يمكن للقاضي جهل اتهامه من طرف العدالة ( القرار الصادر عنه بتاريخ: 29-30 إبريل 1980 )
* مساكنة مومس والتدخل في إجراءات قضائية تتعلق بها ( القرار الصادر عنه بتاريخ:08 يونيو 1988 ) Guy Canivet / Julie – Joly Hurard p 123
يتضح ممّا سبق أنّ القاضي:
-ملزم بتقديم مثل حسن على التقيد بالتطبيق السليم للقانون في عمله وسلوكه الشخصي
-ملزم بالتصرف بشكل يتوخى منه الرفع من قيمة السلطة القضائية في أعين الجمهور أو على الأقلّ لا يمس من مصداقيتها
-ملزم بالدفاع عن استقلاله في كلّ الظروف وبكلّ الطرق الضروري والمناسبة
وفي الأخير أتمنى أن أكون وفقت في تناول بعض جوانب الموضوع.