قاض يكتب:ملا حظات سريعة علي مشروع قانون ” العنف ضد النوع “

أخر تحديث : الإثنين 2 يناير 2017 - 9:46 مساءً
قاض يكتب:ملا حظات سريعة علي مشروع قانون ” العنف ضد النوع “

بعد قراءة خاطفة لمشروع قانون العنف ضد النوع تولدت لدي ملاحظات أسوقها لكم اسهاما في النقاش الدائر حول مشروع القانون المذكور
في البدء لا بد من التنبيه الي ان مشروع القانون المذكور كغالبية مشاريع القوانين التي سبقته سلك وبصفة غير مبررة مسطرة استثنائية واستعجالية لاقراره إذ لم يتم الكشف عن الجهة التي أوكل اليها اعداده كما أنه أي مشروع القانون لم يعرض للنقاش علي المختصين سواء كانوا قانونيين باحثين او سلطات انفاذ القانون الضبطية القضائية والقضاة , فضلا عن المحامين و الكتاب و جمعيات المجتمع المدني ومثل هذه الحوارات التي تخضع لها مشاريع القوانين قبل اقرارها هي ما يضمن تنقيتها وتمحيصها في الوقت المناسب قبل ان يتم التصويت عليها واقرارها بما تتضمنه من عيوب سواء من حيث الشكل كالعيوب الفنية المرتبطة بالصياغة أو من حيث المضمون كعيوب تكرار التجريم و اختلاف المصطلحات القانونية وهذا بالضبط ما وقع فيه هذا “القانون”.
وقبل استعراض نماذج من هذه الاختلالات التشريعية التي وقع فيها مشروع القانون المذكور لا بد من التوقف عند أهمية الموضع الذي وضع القانون لأجله , ذلك ان الاعتداءات الجنسية التي أصبحت ظاهرة متفشية في المجتمع و ما يرافقها من عنف مفرط من الجناة هو ما دفع بالمشرع الي التدخل لمد الحماية القانونية لمساحات من الفراغ التشريعي اربكت القضاء وجعلت الكثير من عتاة المجرمين يفلتون من العقاب خاصة ان جريمة الاغتصاب و التي لا تثبت قانونا الا بالمثبتات الشرعية لجريمة الزنا اصبح مرتكبوها او علي الاصح من يتهمون بها لا تمكن ادانتهم بها مما يعني عدم مواجهتهم للعقوبات الرادعة لمثل هذه الأفعال البشعة , ولهذا أصبحت الحاجة ملحة الي ايجاد تشريع مناسب من حيث العقوبات في حالة تعذر اثبات جريمة الاغتصاب وهكذا تم ايجاد جريمة الاعتداءات الجنسية والتي يجب ان تتصاعد العقوبات فيها كلما كان الاعتداء مصحوبا بعنف .
ورغم اهمية موضوع القانون الا ان القانون نفسه جاء مشوها لدرجة تجعله معتلا وعاجزا عن القيام بدوره ذلك ان عملية انتاجه او جهة صياغته ا وقعته في كثير من الاختلالات سواء علي مستوي المضمون او من حيث الشكل .
من حيث المضمون كان القانون مرتبكا ووقع في تكرار تشريعي غير مبرر وهو الذي جاء لتغطية فراغات فمثلا لا شيئ يبرر النص علي تجريم عدم احترام قرار السلطات فهذا تحصيل حاصل ومثل هذا السلوك مجرم بالقانون بداهة ومثل ذلك النص علي جرائم الزنا و الاغتصاب و اللواط وغيرها من الجرائم المنصوص علي تجريمها أصلا ومعاقبتها في القانون الجنائي الموريتاني طبقا للتشريع الاسلامي . ومثل هذا التكرار لن ينتج عنه الا تضخم تشريعي لن يؤدي الا الي ارباك العمل القضائي كما ان التجريم علي بياض لن يؤدي الا الي اهدار الحريات العامة بدلا من حمايتها فمثلا حين ينص القانون في المادة 19 علي انه ” يعاقب من سنة إلى سنتين حبسا كل زوج يمنع أو يقيد شريكه عن ممارسته لحرياته العامة. ” فنحن نكون حينئذ امام مفاهيم ضبابية وغير محددة بوضوح مما يفتح باب التحكم علي مصراعيه فما معني حرياته العامة التي أراد المشرع حمايتها , إن السلوك المجرم يجب ان يكون محددا وواضحا بصورة لا تقبل أي لبس حتي نكون قد أعذرنا المخاطبين بالقوانين و مثل هذه الصياغات الفضفاضة تكررت اكثر من مرة فمثلا ايضا تنص المادة 16 من القانون علي ان ” يعاقب كل من فرض سلوكا أو تصرفا على زوجه أو زوجته من ستة أشهر إلى سنة واحدة حبسا، وبغرامة من 150.000 مائة وخمسين ألف أوقية إلى 300.000 ثلاثمائة ألف أوقية. ” فأي سلوك يقصد المشرع بتجريمه سؤال أشك في قدرة من صاغ هذا القانون علي الاجابة عليه فمثل هذه الصياغات بالضبط هو ما يفتح الباب واسعا في التحكم في حريات الناس باسم القانون ويؤسس لمتابعات قانونية تتحكم فيها الأهواء .
أما من حيث الشكل فإن القانون وبد
أ من تسميته ” العنف ضد النوع ” فلم يكن موفقا ذلك ان استحداث او استجلاب مصطلحات قانونية نشأت في بيئة اجتماعبة وثقافية مختلفة تماما وزرعها ولو اصطناعيا في قواميس قانونية مغايرة أمر منتقد دوما عند فقهاء القانون ولدي سوسيلوجيوا القوانين خاصة القانون الجنائي و الذي يوصف بأنه قانون اجتماعي , فاستخدام مصطلح قانوني جديد علي منظومتنا القانونية كمصطلح ” النوع ” بدل الزوج أو الضحية ليس له من مبرر وهو مصطلح غامض الدلالة وحتما لن يساعد في الدفع بوتيرة الحماية القانونية و أقصي ما يمكن أن يصل اليه هو اقناع شركائنا في التنمية باحترام التزاماتنا اتجاههم بتوفير الحماية لـــ ” النوع ” حتي لو ظل هذا النوع غامض وغير محدد بالنسبة لنا , وهذا المصطلح ورد في اكثر من مادة بل ان القانون نفسه أخذ اسمه منه .
وفي الختام لابد من التنبيه الي أهمية تجريم ومعاقبة الاعتداءات الجنسية التي لا تصل حد الجرائم الحدية خاصة ان تلك الاعتداءات كثيرا ما تكون مصحوبة بعنف شديد وبشع , ولكن لا اعتقد ان هذا القانون في شكله الحالي هو افضل وسيلة لتوفير تلك الحماية فالأمر أشبه بأعدل قضية لدي أفشل محامي .

القاضي/أحمد ولد ألبو

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة المراقب الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.