حديث في تسبيب الأحكام والقرارات القضائية/القاضي محمدينج محمدمحمود

16 يناير,2017

بسم الله الرحمن الرحيم
15/01/2017
حديث في تسبيب الأحكام والقرارات القضائية
يعتبر تسبيب الأحكام إحدى الوسائل المهمة لصيانة العدالة والحقوق الأساسية للفرد كما أنّه ضمانة لصيانة سمعة القضاء لذلك اعتبر حقّا دستوريا للمتقاضي وواجبا على القاضي انطلاقا من اجتهادات المجلس الدستوري الفرنسي بينما ذهبت محاكم الاتحاد الأوربي إلى أنّه حقّ من الحقوق الأساسية التي تعتبر منجرة عن متطلبات المحاكمة العادلة ويمكن عرض مختلف أوجه التسبيب وأهدافه انطلاقا من اجتهادات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان وذلك على النحو التالي:
– لا يعني تسبيب الأحكام أن يردّ القاضي بشكل مفصل على كلّ ما أورد الخصوم من حجج وإنّما المطلوب أن يرد عليهم ولو بشكل مختصر خاصة بالنسبة للحجج القانونية والمنطقية التي أثاروها Van de Hurk c / Pays- Bas وأنّ هذا الواجب يتعين أن ينظر إليه انطلاقا من الظروف الخاصة بكل قضية Hero Balani C/ Espagne غير أنّه على العموم يجب على محرّر الحكم ذكر طلبات الأطراف والرد على الحجج التي قدموا تأييدا لها
-أنّه يتم خرق مبدإ واجب التسبيب عندما يتضح من خلال تحليل ما قام عليه الحكم من أسباب أنّ القاضي لم يطلع على جميع الوثائق الأساسية للملف Fouquet c/ France
-أنّه عند ما يكون التعليل غامضا يكون الحكم غير مسبب ويكون كذلك عندما لا يتمكن المحكوم عليه من معرفة لم حكم عليه ولا يمكن للمحكمة العليا أن تمارس عليه الرقابة لعدم وضوح الأسس القانونية والمنطقية للحكم
-أنّه يمكن أن يكون التسبيب باعتماد أسباب القاضي الابتدائي إذا كان حكمه مسببا خاصة إذا لم تعرض على قاضي الدرجة الثانية أدلة جديدة أو مطالب جديدة أو منجرة عن مطالب سبق أن قدمت لمحكمة الدرجة الأولى يكون عليه الردّ عليها مع أنّه في هذه الحالة يجب على قاضي الاستئناف أن يعرض مطالب الأطراف والحجج التي قدموا لدعمها ولو بشكل مختصر على عكس الحالة التي يعبر فيها قاضي الاستئناف عن كسله ويختصر ردّه على الأطراف بأن الحكم المستأنف كان معللا ومسببا تسبيبا كافيا و إذا كان من الممكن لمحكمة الاستئناف أن تسبب أحكامها بشكل مختصر بعد اعتمادها على تأسيس حكم محكمة الدرجة الأولى فإن ذلك لا يجوز بالنسبة لمحاكم الدرجة الأولى خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالمادة الجزائية فإنّ عدم وضوح التسبيب غير مقبول
-أنّ التسبيب واجب لأنّه يحمل القاضي على أن يعي ما يقوم به من تطبيق للقانون على الوقائع التي هي محلّ نظره كما أنّه يسمح للمتقاضي بفهم الحكم وبالتالي يكون قادرا على إدراك الدوافع التي جعلت المحكمة تحكم عليه وليس له هذا بالإضافة إلى أنّه يسمح للمحكمة العليا ببسط رقابتها على الحكم وبما أنّه كذلك فجميع الأحكام يجب تسبيبها وبشكل كاف بالنسبة لكلّ حكم على حدة لذا يمنع التسبيب بالإحالة إلى أسباب حكم آخر سبق أن صدر في وقائع مشابهة بين أطراف آخرين Serge Guinchard et Frédérique Ferrand Cécile Chainais Procédure civile droit Inerne et droit communautaire Dalloz 2008 pp 1057-1058   ويشار إلى أنّ فقهاء الشريعة الإسلامية لم يتناولوا واجب تسبيب الأحكام ولا الآثار المتربة على تخلفه بالطريقة التي يتم بها تناوله اليوم غير أنّ هذا لا يمنع من كونهم عرفوا هذا المبدأ وأثر تخلفه ذلك أنّه إذا كان هذا المبدأ يتجسد في تحديد القاضي لطبيعة الواقعة المعروضة عليه أي تكييفها وتعيين النص الذي طبّق عليها في حكمه وبرهنته عبر كلّ ذلك على إصابته في تحديده للواقعة وتطبيق النص الواجب التطبيق عليها فإنّه لا يمكن تصور صدور حكم تطبيقا للشريعة الإسلامية خال من هذه الأمور لذلك فإنّه يمكن القول بأنّهم عرفوه بطريقتهم وعموما سنتناول موضوع تسبيب الأحكام عبر تقسيمه إلى مطلبين نتناول في أولهما مصادر واجب تسبيب الأحكام والأمور التي تسبب بها بينما نخصص المطلب الثاني للكيفية التي بها يتمّ التسبيب ولآثار المترتبة على انعدامه أو نقصه في التشريع الوطني
المطلب الأول: مصادر واجب تسبيب الأحكام والأمور التي بها يتم تسبيبها
سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في الأولى منهما مصادر واجب تسبيب الأحكام في التشريع الوطني بينما نخصصّ الثانية منهما للأمور التي يتمّ بها تسبيبها
الفقرة الأولى: مصادر واجب تسبيب الأحكام في التشريع الوطني
تناولت عدّة نصوص وطنية واجب تسبيب الأحكام في كل المجالات تقريبا لذلك تعدّدت مصادر تسبيب الأحكام في التشريع الوطني خاصة بالنسبة للنصوص المتعلقة بالإجراءات سواء المدنية أو الجنائية وسواء تعلق الأمر بالأصل أو بالاستعجال لذلك فإنّنا سنتناول الموضوع عبر تقسيمه إلى نقطتين نتناول في أولاهما (α) مصادر واجب تسبيب الأحكام والقرارات في المادة المدنية بينما نخصص النقطة الثانية (β) لهذا الواجب في المادة الجزائية
α-واجب تسبيب الأحكام والقرارات في المادة المدنية
تناول قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية واجب تسبيب الأحكام في المادة المدنية بعدة نصوص منها على سبيل المثال لا الحصر:
•بالنسبة للمادة الاستعجالية:
-ما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة:242 من ق إ م ت إ من أنّه يجب أن تكون الأوامر على العرائض مسببة
-ما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة:245 من ق إ م ت إ من أنّه يجب أن يكون البتّ في طلب الرجوع عن الأوامر على العرائض بأمر مسبب
•بالنسبة للأحكام الباتة في الأصل:
-جاء في الفقرة رقم: 4 من المادة: 47 من ق إ م ت إ المتعلقة بإجراءات التصدي أنّه: ( إذا لم يعين لأيّ من الأطراف محاميا فللمحكمة أن تقرّر شطب القضية بقرار مسبّب غير قابل لأيّ طعن )
-ما جاء في الفقرة الثالثة من المادة:81 من أنّ الحكم يجب أن يكون مسببا
-ما جاء في بداية الفقرة الأولى من المادة:220 من ق إ م ت إ من أنّه (تكون قرارات المحكمة العليا مسببة)
-ما جاء في الفقرة الثانية من المادة:223 من ذات القانون من أن المحكمة العليا إذا نقضت حكما لخرقه للقانون وجب عليها أن تبين النصوص التي تمّ خرقها
β-واجب تسبيب الأحكام والقرارات في المادة الجزائية
يبدو المشرع أكثر تركيزا على واجب تسبيب الأحكام في المادة الجزائية منه في غيرها وذلك لأسباب غنية عن الشرح ويتضح ذلك من كثرة النصوص التي تتناول الموضوع في هذا المجال والتي يمكن التمييز فيها بين كلّ من:
– ما نصت عليه المادة:163 من ق إ ج من أنّ قرار تمديد المهلة للخبير لانجاز خبرته يكون بقرار مسبب
– ما جاء في المادة:174 من أن القرار الذي يصدره قاضي التحقيق برفض إجراء خبرة أو الاستماع إلى شهود يجب أن يكون مسببا
– ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة:177 من ق إ ج من أنّ قاضي التحقيق له أن يعفي الطرف المدني ذا النية الحسنة في حالة حفظ دعواه التي تمّ تحريكها طبقا لقواعد القيام بالحقّ المدني من مصاريف الدعوى كلّيا أو جزئيا ونفس المقتضيات تمّ تقريرها لغرفة الاتهام بمقتضى المادة:213 من ق إ ج وقرار قاضي التحقيق أو غرفة الاتهام في هذا المجال يجب أن يكون مسببا تطبيقا للنصين السابقين
– ما جاء في المادة:184 من أنّ القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق المتعلقة بالبراءة أو الإحالة إلى محاكم الحكم تكون مسببة
– ما جاء في المادة:335 من ق إ ج من أنّ أحكام المحاكم الجنائية يجب أن تكون مسببة
– ما جاء في المادة:445 من ق إ ج من أنّ الغرفة الجزائية يجب أن تكون أحكامها مسببة والأسباب هي التي يتأسس عليها الحكم
– ما جاء في المادة:560 من ق إ ج من أنّ المحكمة العليا عند نقضها لحكم بسبب خرقه للقانون فإنّها تبين المواد التي تمّ خرقها
الفقرة الثانية: الأمور التي بها يتم تسبيب الأحكام
كشفت دراسة قامت بها مجموعة من الأساتذة تحت إشراف ذ/ Pascale Deumier ونشرت سنة 2013 من طرف شركة دالوز تحت عنوان le raisonnement juridique أنّ الأعمال التحضيرية لأحكام محكمة النقض ومجلس الدولة ومحكمة الحسابات في فرنسا يتمّ تسبيبهما بأمور منها:
النصوص القانونية: وتذهب الدراسة إلى أنّ النصّ القانوني بالمفهوم الواسع للقانون هو الأساس القار في كلّ هذه الأعمال كما أنّه يتضح من هذه الأعمال أنّ القضاة يفضلونها على غيرها (ص11 وما بعدها)
السوابق العدلية: وتعني الأحكام الاجتهادية الصادرة عن هذه المحاكم ويكون موضوعها تفسير نصّ أو مبدإ أو وضع مبدإ وتأتي في المرتبة الثانية من حيث كثرة الإشارة إليها في الأعمال التحضيرية وتلاحظ الدراسة أنّها أكثر ورودا في القضايا الإدارية (ص33 وما بعدها)
الفقه: وهو مجموعة الآراء التي يكتبها مختلف المهنيين القانونيين حول القواعد والمبادئ القانونية والأحكام والقرارات المطبقة لها وذهبت الدراسة إلى أنّه يأتي مباشرة بعد السوابق العدلية (ص33 وما بعدها)
الجدوائية: وتعني تبرير الأحكام بما يخدم المصلحة العامة للمجتمع أو لقطاع واسع منه انطلاقا من مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية ومعطيات الدراسات العلمية في ظرفية تاريخية معينة
المطلب الثاني: منهجية تسبيب الأحكام والقرارات وآثار انعدام التسبيب
سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في أولاهما المنهجية التي بإتباعها يكون الحكم مسبّبا بينما نخصص الثانية منهما لآثار الإخلال بمبدإ واجب التسبيب
الفقرة الأولى: المنهجية التي بإتباعها يكون الحكم مسبّبا
بالرجوع إلى النصوص القانونية يتضح أنّها وضعت مجموعة من القواعد التي تشكل خطوطا عريضة تمكن الاستجابة لها عبر إتباع محرّر الحكم لمنهجية معينة من تبرير الحكم وسنتناول في النقطة (α) هذه النصوص بينما نتعرض في النقطة (β) للمنهجية التي يُمَكن إتباعها من تسبيب الأحكام والقرارت
α-النصوص: تعرضت بعض النصوص للخطوط العريضة التي بمراعاتها يمكن أن يكون الحكم مسبّبا إلا أنّ تناولها للموضوع كان بشكل مقتضب وهذا ما يتضح ممّا يلي:
ما جاء في الفقرتين رقم:3 و 4 من المادة: 81 من ق إ م ت إ من أنّه:
( .. يجب أن يعرض الحكم بصفة موجزة وعلى التوالي ادعاءات الأطراف وأسبابها ويجب أن يكون مسببا
– ويذكر الحكم القرار في شكل منطوق … )
– ما جاء في البند رقم: 2 من المادة: 220 من ق إ م ت إ من أنّ قرارات المحكمة العليا تتضمن الإشارة إلى مذكرات الأطراف وطلباتهم والأسباب التي أسّسوا عليها طعونهم
– الفقرة رقم: 1 من المادة: 218 من ق إ ج التي تنص على أنّ قرارات غرفة الاتهام ( يذكر فيها اسم المستشارين وتقديم الوثائق والمذكرات )
– نصت الفقرة رقم: 2 من المادة: 236 من ذات القانون على أنّه: ( ينص الحكم على النصوص القانونية المطبقة ويشير إلى حضور النيابة العامة )
– تنص المادة: 445 من ق إ ج على أنّه: يجب أن يشتمل الحكم على أسباب ومنطوق وأن الأسباب تتضمن أسس الحكم وأنّ المنطوق يبين الجرائم التي قرّرت المحكمة إدانة المتهم بها كما تذكر فيه العقوبة والنصوص القانونية المطبقة
– ذكر التقرير بالنسبة للمحاكم التي يجب أمامها تقديم التقارير كما هو الحال بالنسبة للمحكمة العليا تطبيقا للمادة:220 من ق إ م ت إ والغرفة الجزائية بها تطبيقا للمادة: 554 ق إ ج والغرفة الجزائية بمحكمة الاستئناف تطبيقا للفقرة الأولى من المادة: 476 من ذات القانون وهناك بعض البيانات الأخرى التي يتضمنها الحكم منها ما أشارت إليه نصوص قانونية ومنها ما لم تشر إليه ولن نتعرض لكلّ ذلك لخروجه عن السياق
β- المنهجية التي باتباعها يكون الحكم مسببا
إن المنهجية التي باتباعها يكون الحكم مسببا رغم بساطتها يتضح من العودة إلى كثير من الأحكام القضائية ضرورة شرحها بشكل مفصل نظرا لسببين هما:
-تفشي غياب التسبيب أو عدم وضوحه على الأقل بالنسبة للمواطن العادي مثلي في كثير من الأحكام والقرارات القضائية كما هو الحال في القرارات رقم: 176/ 2009 و196/ 2009 و195/ 2009 و227/ 2016 الصادرة عن الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا في إطار مراقبتها لقرارات غرف الاتهام فهذه القرارات لا تستجيب لمعايير الحكم المسبب من وجهة نظري على الأقل ذلك أنّ الأحكام يجب أن تكون أسسها على درجة من الوضوح تجعل المواطن العادي يدركها نظرا لأنّ العدالة في أيّ بلد ديمقراطي هي في الحقيقة عدالة المواطن البسيط وأحكامها موجهة إليه
– خطورة أثر عدم تسبيب الأحكام والقرارات على المتقاضين وسمعة السلطة القضائية لذلك سأتعرض لهذه المنهجية بشكل مفصل ضاربا مثالا تطبيقا ولأنّه لا يمكن التعرض لجميع أنواع الأحكام في مقال كهذا فأقترح أن يكون موضوع المثال قضية عقارية تتعلق بقطعة تعدد منحها وعموما لتكون الأحكام والقرارات مسبّبة يجب العمل على التطبيق السليم للقواعد القانونية السابق ذكر بعضها واستهداف تجسيد المقولة الإنكليزية التي مضمونها أنّه لا يجب أن تتحقّق العدالة فحسب وإنّما يجب أن يدرك الجميع أنّها تحقّقت فعلا انطلاقا من حضور الجلسة أو الاطلاع على الحكم فبتوخي محرّر الكم لتطبيق هذه المقولة يمكن أن يكون الحكم مسببا أو على الأقلّ يدرك الأطراف والمعلقون والمحكمة التي سيطعن فيه أمامها الأسس القانونية والمنطقية التي تأسس عليها ولكي يستجيب الحكم لمتطلبات هذه المقولة أقترح أن يتضمن على الأقل النقاط التالية:
ا-الوقائـــع: وتتضمن ذكر محتويات مذكرات الأطراف والوثائق التي أرفقوا بها وذكر تاريخ تقديم كلّ مذكرة وتبدأ الوقائع عادة بعبارة: تتلخص وقائع هذه القضية حسب العريضة الفاتحة للدعوى الواصلة إلى كتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ كذا يلي ذلك عرض موضوع الدعوى ونفترض أنّه في هذه الحالة: (أنّ المدعي السيد سعيد ولد محفوظ يدعي أنّه يحوز القطعة الأرضية رقم: 150 بالقطاع رقم:1 من مقاطعة عرفات بالرخصة رقم: 1800 الصادرة بتاريخ: 10/ 12/1992 عن السيد والي أنواكشوط غير أنّه اكتشف أنّ السيد إدوم ولد يحجب بنى فيها منزلا … وأرفق دعواه بنسخة من رخصة الحيازة المنوه بها آنفا والقرار رقم: 18/ 2007 الصادر عن الغرف المجمعة بالمحكمة العليا وختم طلباته بأنّه يريد من المحكمة الحكم بصحة حيازته للقطعة محلّ التداعي نظرا لأن سابقية المنح هي المرجح المعتمد حسب القرار رقم: 18/ 2007 ) تلي ذلك عبارة هذه العريضة التي بلغت للطرف الآخر وردّ عليها بتاريخ كذا بما ملخصه ويلخص ما جاء في عريضة المدعى عليه ونفترض في هذه الحالة أنّه: ( أنّ المدعى عليه السيد إدوم ولد يحجب ردّ بأنّه يحوز ذات القطعة بالرخصة رقم: 06 الصادرة بتاريخ: : 10/ 12/ 2002 عن السيد والي أنواكشوط وبنى فيها منزلا نهارا جهارا يسكنه منذ 10 سنوات ولم يسبق أن نازعه أيّ شخص في حيازته لها ليختم ردّه بأنّه يطلب من المحكمة رفض دعوى المدعي والحكم عليه بمصاريف الدعوى) ثمّ يتبع ذلك بذكر العرائض التكميلية إن وجدت مبينا تاريخ وصولها لكتابة الضبط وإن كان فيها جديد تاريخ إبلاغها للمدعي عليه وتاريخ ردّه عليها إن وجد ومضمون هذا الرّد إن كان لكلّ ذلك محلّ
ب-الإجـــراءات: ويقص فيها القاضي تعامله مع العريضة والردود الواردة عليها بما في ذلك المعاينات وأرقام القرارات القاضية بإجرائها والاستماع للشهود وتزكيتهم والإعذار فيهم هم ومن زكاهم لمن قدّموا ضدّه والأجل الذي منح لمن قدّموا ضدّه من أجل تجريحهم وما إذا كان دعا الأطراف لصلح وتاريخ الدعوة إليه والتنبيه الوارد في المادة: 545 من ق ا ع وتاريخه وتبدأ فقرة الإجراءات عادة بعبارة: ( بعد أن تلقت المحكمة العريضة الفاتحة للدعوى المنوه بمضمونها أعلاه فتحت ملفا للقضية وتابعت نظرها لها بإبلاغها للطرف الثاني الذي ردّ عليها بتاريخ كذا بما نوه به في خانة الوقائع
وتختتم خانة الإجراءات عادة بعبارة (وفي يوم كذا تقدم فلان المدعي أو المدعى عليه إلى المحكمة بطلب برمجة للقضية في جلسة كذا فبلغته للطرف الثاني الذي حضر بالتاريخ المحدد للجلسة التي أدلى الأطراف فيها بما يلي في الخانة المخصصة لهم)
ج-الأطـــراف:وتبدأ خانة الأطراف عادة بعبارة: (بعد المناداة برقم القضية تقدم أطرافها بما يلي)
-المدعي السيد سعيد ولد محفوظ: ( يذكر ما أدلى به من جديد فإن لم يدل بجديد ذكر المحرّر أنّه كرّر طلباته التي أورد في مذكراته السابقة)
– المدعى عليه السيد إدوم ولد يحجب: ( يذكر ما أدلى به من جديد فإن لم يدل بجديد ذكر المحرّر أنّه كرّر طلباته التي أورد في مذكراته السابقة)
وتختتم خانة الأطراف بعبارة: (ثم سألت المحكمة طرفي القضية عمّا إذا كانت لهما حجج أخرى يودان الإدلاء بها فأجابا بالنفي فتمّ وضع القضية في المداولات للنطق فيها بالحكم التالية أسبابه)
د-الأسبـــاب: وتتضمن الأسس القانونية والمنطقية التي انطلقت منها المحكمة لتقرير ما تمّ تقريره أي الحكم ويمكن أن يكون في حالتنا هذه:
من ناحية الشكل
حيث إنّه بالجوع إلى عرائض الأطراف والوثائق المدلى بها من طرفهم يتضح أنّ الدعوى رفعت من ذي صفة ومصلحة في الأشكال المطلوبة قانونا ممّا يعني أنّها متعينة القبول شكلا تطبيقا للمادتين: 2 – 58 من ق إ م ت إ
من حيث الأصل:
حيث إنّ القطعة رقم: 150 بالقطاع رقم:1 من مقاطعة عرفات يحوزها المدعي بالرخصة رقم: 1800 الصادرة بتاريخ: 10/ 12/1992 عن السيد والي أنواكشوط كما يحوزها المدعى عليه بالرخصة رقم: 06 الصادرة بتاريخ: : 10/ 12/ 2002 عن السيد والي أنواكشوط ممّا يعني أنّ منحها متعدّد
حيث إنّ أهمّ حجج المدعي في هذه القضية تتلخص في:
-أنّه يحوز القطعة محلّ التداعي بالرخصة رقم: 1800 الصادرة بتاريخ: 10/ 12/1992 عن السيد والي أنواكشوط
-أنّ منحه سابق على منح المدعى عليه وأنّ القرار رقم: 18/ 2007 الصادر عن الغرف المجمعة جاء فيه أنّه إذا تعدّد منح ذات القطعة تعين اعتبار المنح الأول دون غيره
حيث إنّ المدعى عليه يحوز القطعة محلّ التداعي بالرخصة رقم: 06 الصادرة بتاريخ: : 10/ 12/ 2002 عن السيد والي أنواكشوط وبنى فيها منزلا نهارا جهارا يسكنه
وحيث إنّ استثمار المدعي في القطعة محلّ التداعي يعترف به المدعي ويشهد بذلك ما تضمنته العريضة الفاتحة للدعوى المقدمة من طرفه
حيث إنّ المادة: 464 من ق ا ع تنص على أنّه: ( عندما يكون كلّ من الطرفين حسن النية يرجح جانب الحائز إدا كان حسن النية وقت اكتسابه الحيازة ولو كان سنده لاحقا في التاريخ )
وحيث إنّ الحائز بالاستثمار والسكن للقطعة محلّ التداعي هو المدعى عليه
وحيث إنّ القانون العقاري ومراسيم تطبيقه حثّ كلّ واحد منها على الاستثمار وتواصل الاستغلال وهذا ما يتضح من:
-أنّ الفقرة الثالثة من المادة: 156 من المرسوم رقم: 89/ 2000 المطبق للأمر القانوني رقم: 127/ 1983 المتضمن القانون العقاري والمادتين: 131- 139 من المرسوم رقم: 80/ 2010 الذي حلّ محل المرسوم سابق الذكر تجعل كلّ واحدة منها عدم الاستثمار خلال مدّة خمس سنوات سببا للانتزاع التلقائي لمحلّ الاقتطاع المؤقت
-أنّ المرسومين اشترطا للاقتطاع النهائي استثمار القطع تطبيقا للفقرة الثانية من المادة:156من الأول و139 من الثاني
– أنّهما تضمنا الحثّ على تواصل الاستغلال بنصهما على جعل انقطاعه لمدة أربع سنوات متواصلة يمكن أن يؤدي إلى دمج المباني والمزارع والمنشآت المائية بقرار صادر عن وزير المالية تطبيقا للمادة:5 من المرسوم السابق والحالي
وحيث إنّ فهم القانون وتطبيقه يجب أن ينحازا صوب تحقيق المصلحة العامة المتضمنة استهداف إعمار البلد وبنائه بدل اكتناز القطع الأرضية ومراعاة المصالح الخاصة المتضمنة تغليب جانب الحائز حسن النية الذي تجشم عناء الاستثمار وعَبْر عن حاجته للأرض باستغلالها بالسكن وهذا الحل هو الذي تمّ اعتماده بالنسبة لتعدد المنح من طرف اللجنة الوزارية المنعقدة بتاريخ: 17/11/ 1992 تحت رئاسة وزير الداخلية وبعضوية وزير المالية …
حيث إنّ المحكمة العليا في تشكلة الغرف المجمعة هي المنوطة بها مهمة المحافظة على التطبيق السليم للقانون ووحدة تفسيره بشكل يحافظ على المصلحة العامة تطبيقا للفقرة الأخيرة من المادة: 223 من ق إ م ت إ وهذا ما يجب معه افتراض أنّ القرار رقم: 18/ 2007 يتعلق بالقطع التي لا تزال خالية من أيّ استثمار أمّا القطع متعددة المنح التي حازها واحد ممّن منحت له باستثمار أو سكن فتنطبق عليها المادة: 464 سابقة الذكر للاعتبارات السابقة ولأنّه لا اجتهاد مع وجود النص المتمثل هنا في المادة: 464 ق ا ع
وحيث إنّه بذلك تكون المحكمة ردّت على طلبات الأطراف وسبّبت حكمها
وتختتم خانة الأسباب بعبارة (انطلاقا ممّا سبق وتأسيسا عليه)
هـ – المنطوق: ويتضمن ما قرّرت المحكمة بشأن الواقعة المعروضة عليها ويمكن افتراض أنّه في حالتنا: ( حكمت المحكمة ابتدائيا حضوريا برفض دعوى المدعي .. )
وتتضح بساطة هذه المنهجية وما لها من مزايا فباعتمادها من طرف محرّري الأحكام والقرارات يكون الحكم مبرّرا وقادرا على الدفاع عن نفسه ومفهوما من طرف الجميع
الفقرة الثانية: آثار الإخلال بمبدإ واجب تسبيب الأحكام والقرارات
يعتبر الإخلال بمبدإ واجب تسبيب الأحكام من الأمور الخطيرة التي فرض المشرع عقوبة لها تتمثل في قابلية الأحكام المشوبة بهذا العيب للنقض ذلك أنّه نص في عدة مواد من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية وكذلك قانون الإجراءات الجنائية على هذه العقوبة وذلك على النحو التالي:
ا-بالنسبة لقانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية: بعد أن نصت المادة:204 منه على أنّه (لا يقبل الطعن بالنقض إلا ضد الأحكام و القرارات و الأوامر الصادرة نهائيا في الحالات الآتية) نصّ البند (6) منها على أنّ من بين الأمور الموجبة للنقض كون ( الحكم غير مسبب أو كان تسبيبه ناقصا؛)
ب-بالنسبة لقانون الإجراءات الجزائية: بعد أن نصت المادة:545 على أنّه يثار الطعن بالنقض ضدّ الأحكام والقرارات الصادرة نهائيا حدّدت الأسباب التي يمكن أن يتأسس عليها طلب نقض الحكم والتي من بينها (انعدام أو قصور الأسباب؛) حسب نص البند (4) من ذات المادة
ج-بالنسبة لاجتهاد الغرف المجمعة: ذهبت العرف المجمعة في قرارها رقم:29/2014 الصادر عنها بتاريخ:23/04/2014 إلى أنّ التعليل غير الكافي أمر غير مشروع ويوجب النقض للقرار المتصف به (مجلة المحكمة العليا القرارات 2014 ص67 )
ممّا سبق تتضح أهميّة تسبيب الأحكام والقرارات القضائية لما لها من علاقة مباشرة بصيانة مصالح الأطراف وسمعة القضاء الأمر الذي دفع المشرع والغرف المجمعة إلى جعل غيابه بل نقصه تحت طائلة الطعن بالنقض في المجال المدني وكذلك الجزائي ذلك أنّ الأحكام والقرارات القضائية يجب تسبيبها ما لم ينص على خلاف ذلك كما هو الحال بالنسبة لأحكام التطليق تطبيقا للمادة: 248-1 من القانون المدني الفرنسي التي تجيز للقاضي أن لا يسببها إذا طلب منه المتقاضي عدم ذكر الضرر الذي لحق به والذي هو مبرّر الحكم Serge Guinchard et Frédérique Ferrand Cécile Chainais Op. cit . p 1010 كما يتضح منه سهولة تبرير الأحكام إذا ما تمّ اعتماد المنهجية المقترحة أعلاه
وفي الأخير أتمنى أن يكون هذا الحديث لامس بعض جوانب الموضوع وأن يشكل بداية بها يتم لفت انتهاب المهنيين إلى الموضوع فيعالجونه بشكل أكثر شمولا ورصانة
القاضي محمد ينج محمد محمود مستشار باستئنافية ألاك