حديث في البحث عن طرق جديدة للطعن بالنقض

11 يونيو,2017

لا جدال في أنّ التفكير في تلمس طرق جديدة من شأنها تسهيل وصول المواطنين إلى حقوقهم والعمل على فتح طرق جديدة أمام القضاء للقيام بهمته المقدسة التي تتعلق بإحقاق الحق لا يمكن أن تكون بعيدة عن اهتمام أيّ قانوني بل أي إنسان سوي خاصة إذا كان مسلما وانطلاقا من الحاجة الملحة إلى إيجاد سبل طعن جديدة في القرارات التي تشتمل على أخطاء قانونية نتج عنها ظلم وملاحظة جدوائية ذلك من طرف القضاء الأجنبي الذي يدفع به سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي إلى كثير من الكفاءة في هذا المجال ومحاورة لواقع هذا القضاء وفقهه ومقارنة لذلك بالواقع الخاص بالبلد في مختلف تجلياته ومتطلبات مواجهته عبر قراءة النصوص الوطنية وما يتاح من الاجتهاد القضائي المحلي قراءة متأنية في ضوء ما تقدم وما كان معمولا في شرعنا الحنيف

انطلاقا من كلّ ذلك وتعبيرا عن الانشغال به ارتأيت أن ألفت انتباه المنشغلين بالقانون قضاة ومحامين وغيرهم من المتقاضين والعاملين على ترقية حقوق الإنسان إلى ما أحسب أنّه أسس منطقية وقانونية يمكن عبرها الطعن في قرارات غرف المحكمة العليا أمام هذه الغرف وأمام الغرف المجمعة بذات المحكمة وسنقسم الموضع إلى مطلبين نتناول في أولهما طرق الطعن في جميع قرارات تشكيلات غرف المحكمة العليا أمام الغرفة التي أصدرتها بينما نخصّص مطلبا ثانيا للحديث عن الطعن في قرارات غرف المحكمة العليا أمام الغرفة المجمعة

المطلب الأول: طريقة الطعن في قرارات تشكيلات غرف المحكمة العليا أمام التشكلة الصادر عنها القرار الطعين

من هذا النوع الطعن عن طريق طلب سحب القرار: ويطلق عليه في فرنسا Rabat d’ arrêt  وهي طريقة نقض خاصة بها يطلب الطرف أو غيره على نحو ما سنبين لاحقا من إحدى تشكيلات محكمة النقض سحب قرار سبق أن أصدرته فتقبل التشكلة الطلب وتسحب قرارها إذا كان الطلب مؤسسا على أمور من أهمّها:

*أنّ القرار يتضمن خطأ قانونيا أو إجرائيا واضحا ترتب عليه رفض الطعن كما هو الحال في الرفض المؤسس على عدم تقديم المذكر التكميلية في الحالة التي تكون فيها المذكرة قدمت فعلا في أجلها لكن وضعت غلطا في ملف آخر أو بقيت في الدرج … أو كما إذا رفض الطعن شكلا لوروده خارج الأجل دون أن تتفطن الغرفة إلى أنّ يوم نهاية أجل الطعن كان يوم عطلة رسمية وأنّ الطعن وقع في اليوم الموالي ليوم العطلة الرسمية

*أنّ الخطأ الذي يثار سببا لسحب القرار يعزى لمحكمة النقض ولا دخل فيه للطرف الذي يثيره Jacques Borré / Louis Borré la cassation en matier civile p.695-696-697

وذلك رغم أنّ الفقرة الأولى من المادة: 621 من مدونة الإجراءات المدنية الفرنسية تمنع الطعن بالنقض في القرارات الصادرة عن محكمة النقض Code de procédure civile Dalloz 103 édition p 575  تماما مثل ما تمنعه عندنا المادة: 228 من ق إ م ت إ و هذا الطعن قبلته مختلف تشكيلات محكمة النقض الفرنسية دون أن تستند في قبولها له لأيّ نص قانوني وأسباب قبول محكمة النقض الفرنسية في مختلف تشكيلاتها لهذا الطعن واضحة ومن أهمّها:

– أنّه بما أنّ محكمة النقض هي الدرجة العليا من المحاكم وليس لأيّ محكمة وطنية تصحيح أخطائها التي يتضرّر منها المتقاضون كان عليها هي إيجاد طريقة تصححها بها صيانة للعدالة ومصالح الأطراف واستجابة للمسؤوليات الدستورية والأخلاقية المنوطة بها فأوجدت هذه الطريقة

– بما أنّ محكمة النقض هي المحكمة العليا في فرنسا وهي التي تعكس قراراتها جودة مستوى صيانة العدالة والتمسك بالقانون والتفسير السليم له لذلك فإنّها يجب أن تعمل على أن تكون قراراتها على درجة معينة من الاستجابة لتلك الأهداف فاخترعت هذه الطريقة التي يمكن أن تساهم في ذلك

– أنّ محكمة النقض الفرنسية لا ترضى بأن تحاكم أحكامها من طرف المحاكم والمنظمات الدولية التي يمكن أن يلجأ المتضرر من هذه الأحكام إليها وذلك مثل محاكم الاتحاد الأوربي ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

نتيجة لهذه الأسباب أصبحت محكمة النقض الفرنسية تقوم بتصحيح أخطائها في حالات منها:

*اكتشافها هي للخطإ فتقوم بتصحيحه من تلقاء نفسها بسحب القرار حتى دون أن يطلب منها ذلك

* تقديم النيابة العامة طلبا هادفا إلى سحب القرار

* تقديم الطرف ضحية الخطإ طلبا هادفا إلى رفع الظلم عنه وتكون عريضته موجهة ضدّ خصيمه بل إنّ محاكم الاستئناف في فرنسا أصبحت هي الأخرى تعمل بهذا الطعن Serge Guinchard / Frédérique Ferrand / Cécile Chainais procédure civile droit interne et droit communautaire p 281  ومن المعروف أنّ العمل بهذا الطعن من طرف المحاكم الوطنية بصفة عامة وخاصة مختلف تشكيلات المحكمة العليا هو إعمال لقول الخليفة عمر بن الخطاب في رسالته للقاضي أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما ( لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثمّ راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحقّ فإنّ الحقّ ومراجعته خير من الباطل والتمادي فيه ) ( تبصرة ابن فرحون الجزء 1 ص 45 ) لذا ولما سنتعرض له لاحقا فإنّ قضاء الجمهورية الإسلامية الموريتانية وريثة دولة المرابطين أحقّ بالأخذ بطريقة النقض هذه والتوسع في أسباب قبولها من أيّ قضاء في العالم ويكون قبوله من باب الضرورة الملحة بالنسبة للغرف التي تبت ابتدائيا ونهائيا مثل الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا التي يرى البعض أنّها تبت ابتدائيا ونهائيا في الأمور المتعلقة بالإلغاء ذلك أنّه يكون من صميم السياسة الشرعية التي تحدث عنها الفقهاء في مختلف مراجعهم ( ابن فرحون م-س ج 1 ص 167 وما بعدها ) فهذه الغرفة انطلاقا من الفهم السائد تبت ابتدائيا ونهائيا ليس بالطريقة التي تبت بها محكمة المقاطعة وإنّما بطريقة يكون قرارها غير قابل لأي طعن حسب الفهم السائد في البلد وهو ما يهدد بشكل جدي مصالح المتقاضين خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أمورا منها:

*أنّ الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا ليس هناك ما يمنع في السياق الخاص بالبلد من أن يجلس فيها قضاة لم يسبق لمعظمهم طوال حياته أن قال حكمت كما يمكن أن يكون بعض مستشاريها ممّن لم يحصل لهم شرف المشاركة في حلّ أيّ نزاع إداري لا من قريب ولا من بعيد

*أنّ تحصين أيّ قرار من الطعن فيه يشكل تشجيعا لمصدره على الطغيان والتكاسل والحكم بطلبات ممثل السلطة أي مفوض الحكومة ( الادعاء العام) الذي له وحده حقّ الطعن في قرارها حسب الفهم السائد ويزداد الأمر خطورة إذا كنّا في بلد من العالم الثالث الذي يمتاز بأنّه لا يزال القضاء يكافح فيه من أجل الاستقلال وتمتلك فيه السلطة التنفيذية عادة واقعا وقانونا في بعض الأحيان معظم وسائل عقاب وثواب القضاة ….

المطلب الثاني: الطعن في قرارات غرف المحكمة العليا أمام الغرف المجمعة

يمكن أن تكون هناك عدةّ أسس تبرّر القول بإمكانية جواز الطعن في قرارات غرف المحكمة العليا أمام الغرف المجمعة بذات المحكمة وذلك عن طريق الطعن فيها لصالح القانون خاصة عندما يشوبها عيب تجاوز السلطة وهذا ما سنتناول في الفقرة الأولى أو عندما تكون غرفة المحكمة العليا بتّت ابتدائيا ونهائيا وذلك ما سنتعرض له في فقرة ثانية

الفقرة الأولى: من حيث قابلية قرارات غرف المحكمة العليا  بصفة عامة للطعن لصالح القانون أمام الغرف المجمعة

لا جدال في أنّ الغرف المجمعة هي المختصة بالطعن لصالح القانون انطلاقا من نصّ البند رقم:2 من المادة: 22 من ق ت ق على ذلك حيث جاء فيه أنّ الغرف المجمعة هي المختصة بالبتّ في الطعن لصالح القانون كما أنّه لا جدال في أنّ المادة: 230 من ق إ م ت إ تنص على أنّ للمدعي العام لدى المحكمة العليا أن يطعن لصالح القانون في أيّ قرار لم يطعن فيه الأطراف داخل الأجل بما في ذلك القرارات الصادرة عن جميع تشكيلات المحكمة العليا وأنّ المادة: 231 من ق إ م ت إ تنص على أنّه: ( يجوز لوزير العدل بواسطة المدعي العام لدى المحكمة العليا أن يطعن أمام الغرفة المختصة بالمحكمة العليا في القرارات والأحكام التي تعتبر تجاوزا للسلطة كالخطإ في القانون والتطبيق السيئ له والخطإ في تكييف الوقائع القانونية ) وذلك خلافا لما ذهب إليه قرار الغرف المجمعة رقم: 05/ 2013 الصادر بتاريخ: 20/ 02/2013 الذي ذهبت من خلاله إلى أن الغرف المجمعة غير مختصة بالطعن لصالح القانون بسبب تجاوز السلطة وذلك لأنّ هذا المذهب غير مستساغ انطلاقا من عدّة أمور منها:

*أنّ الفصل الذي جاءت فيه الماد: 231 من ق إ م ت ورد تحت عنوان الطعن لصالح القانون

*أنّه إذا قبلنا جدلا مع القرار بأنّ قرارات الغرف يمكن أن يطعن فيها بسبب تجاوز السلطة أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا فإنّ هذا لا يكون مستساغا بالنسبة للغرفة الإدارية ذاتها فعندما تتجاوز هذه الغرفة سلطتها في قرار وهو أمر وارد جدّا انطلاقا من عدم عصمتها فإنّه لا يمكن القول بأنّه يطعن فيه أمام مصدرته وفي نفس التشكلة نتيجة لمبادئ عامة كثيرة منها مبدأ حياد القاضي لذلك فإنّني لست على يقين من أنّ القرار رقم: 05/ 2013 الصادر بتاريخ: 20/ 02/2013 مطابق للقانون هذا مع أنّني على يقين من أنّه مخالف لروحه

* أنّ المشرع هو من يملك منح الاختصاص ويفترض فيه ليس عدم السهو فحسب وإنّما الرشد وبالتالي ونتيجة لوعيه بما سبق شرحه أسند بالبند رقم: 2 من المادة: 22 من ق ت ق وبألفاظ عامة الاختصاص في الطعن لصالح القانون للغرف المجمعة هذا بالإضافة إلى أنّ المدعي منحته له المادة: 230 المشار إليها أعلاه الاختصاص بالطعن لصالح القانون في أيّ حكم أو قرار نهائي قابل للنقض لأيّ سبب حتى ولو كان هذا السبب هو تجاوز السلطة نتيجة لعموم المادة كما أنّه هو من يطلب الطعن لصالح القانون في حالة أمر الوزير به تطبيقا للمادة: 231 وبالتالي يمكن أن يكون مذهب الغرفة المجمعة في هذا القرار غريبا في السياق الخاص بالبلد خاصة بالنسبة لمن ليست لهم ثقافة قانونية كبيرة مثلي

وإذا كان ذلك كذلك فإنّ محلّ الاستشكال في هذا المجال يكون هو مدى جواز قيام الأفراد بالطعن لصالح القانون وهو ما تدل عليه – حسب وجهة نظري المتواضعة جدّا – الأمور التالية:

  • أنّه يتضح من التمعن في نصّ المادتين: 204 و231 من ق إ م ت إ ومقارنتهما أنّ جميع الطعون هي في جوهرها طعون لصالح القانون وما دام للأفراد ممارستها لعرض قضايا على غرف المحكمة العليا لحماية حقوقهم والدفاع عن انتهاك القانون فإن لهم ممارستها أمام الغرف المجمعة ليس عن طريق الطعن في قرارات محاكم الإحالة فحسب وإنّما عن طريق الطعن لصالح القانون داخل الأجل ما دام للمدعي العام ممارسة الطعن لصالح القانون خارج الأجل فمن باب أولى جوازه للأفراد الذين بهذا الطعن يدافعون عن المصلحة العامة انطلاقا من دفاعهم عن مصالحهم الخاصة ويكون الأمر أكثر إلحاحا إذا ما تمّ النظر إليه من زاوية أنّ المدعي العام ووزير العدل قد لا يعلمان بصدور قرار مخالف للقانون وإذا ما علما به فليس هناك في السياق الخاص بالبلد ما يضمن أنّهما سيقومان بالطعن فيه
  • أنّ منح المدعي العام هذا الاختصاص بنصّ القانون لا بد منه نتيجة لأمور منها:

*أنّ الأصل أنّه لا يتمتع بالصفة في القضايا المدنية وتمتعه بالصفة فيها يجب أن ينص عليه بنصوص خاصة وهذا ما تفطن له المشرع

*أنّ سريان القرارات المخالفة للقانون على درجة عالية من الخطورة ممّا يجب معه السماح للجميع بالطعن فيها

  • أنّ من الواضح أنّ ذكر المدعي العام في المواد السابقة لم يرد على سبيل الحصر ذلك أنّ صيغ الحصر معروفة في اللغة العربية ولم ترد في المادة أيّ منها وعلى من يدعي أنّ ذكره أعني المدعي العام جاء على سبيل الحصر أن يقيم دليلا على ذلك من خارج هذه الماد أي المادة: 22 من ق ت ق
  • أنّ سبب عدم نصّ المشرع على أنّ للأفراد ممارسة الطعن لصالح القانون هو أنّهم يتمتعون به في الأصل وبالتالي فإنّهم لا يحتاجون إلى منحهم صفة لممارسة أيّ طعن يستهدف حماية حقوقهم خاصة إذا كان بسبب تجاوز السلطة وهذا ما نتج عنه عدم نص المشرع على أنّ للأطراف ممارسة هذا الطعن أمام الغرف المجمعة ويتضح ذلك انطلاقا من أمور منها:

*أنّ الأصل في الأشياء الإباحة و لم يمنع أيّ نصّ من قانون الإجراءات المدنية ولا التنظيم القضائي حسب علمي المتواضع جدّا على الأفراد الطعن لصالح القانون في الأجل وأنّ الأصل الذي لا مراء فيه هو أنّه يباح للشخص استخدام جميع الطرق السلمية التي توصله إلى حقّه خاصة إذا لم يقف عائق قانوني أمام ذلك

*أنّه يجب تفسير النصوص بصفة عامة صوب ما يحقّق مزيدا من صيانة الحقوق الفردية والعامة وهذا ما يترتب عليه السماح للمتقاضين بممارسة هذا الطعن خاصة إذا تذكرنا أنّ نفاذ القانون هو الوسيلة الوحيدة لصيانة المصالح العامة والفردية التي من الواجب شرعا وقانونا على الفرد والمجتمع العمل على صيانتها والتشجيع على تلك الصيانة خاصة إذا لم يحل عائق قانوني بشكل صريح وواضح دون ذلك فالزعم المتضمن أنّ ليس للأفراد الطعن لصالح القانون في بلدنا ليس ناتجا عن أيّ نصّ قانوني حسب علمي وإنّما هو موروث من القانون الفرنسي وقد حان الأوان للتخلص منه نتيجة لأنّه لا يؤيده أيّ نصّ هذا بالإضافة إلى أنّه يتعارض مع الشريعة الإسلامية من ناحية كونه يضع عائقا أمام ذبّ المسلم عن مصالحه ومصالح المسلمين

* أنّ هذا المذهب هو المنسجم مع مبادئ دولة القانون التي تفترض فيها المساواة أمام القانون والمعبر عنها في هذا المجال بمبادئ منها مبدأ تكافئ الأسلحة الذي يعتبر من أهمّ لبنات المحاكمة العادلة والتي بموجبها يكون ما جاز إجرائيا لممثل السلطة (الادعاء العام) يكون جائزا للفرد المتقاضي خاصة إذا لم يمنعه عليه القانون بشكل صريح وتتضح وجاهة هذا المذهب من أمرين هما:

-أنّ المساواة أمام القانون من النظام العام وهي الأصل والمشرع عندما يخرج عليها يكون ذلك بنصوص واضحة وبشكل صريح كما هو الحال في منعه على ضحية الجريمة الإرهابية تحريك الدعوى العمومية تطبيقا لمقتضيات قانون مكافحة الإرهاب الذي جاء في المادة:29 منه في صيغة عامة أنّ وكيل الجمهورية لدى محكمة ولاية أنواكشوط هو المختص وحده في تحريك ومتابعة الدعوى العمومية المتعلقة بالجرائم الإرهابية سواء كانت هذه الجريمة مرتكبة في الداخل تطبيقا للمادة السابقة أو في الخارج تطبيقا للمادة: 43 من ذات القانون التي جاء فيها أنّ: (النيابة العامة هي وحدها المخولة لتحريك وممارسة الدعوى العمومية المترتبة على الجرائم الإرهابية التي ارتكبت في الخارج)  …..

-أنّ المشرع تبنى المفهوم الموسع لتجاوز السلطة فجعل أيّ مخالفة من القاضي للقانون تعد تجاوزا منه لسلطته الأمر الذي يشي بإحساسه بخطورة مخالفة القاضي للقانون وجسامة تجاوز السلطة وتمشيا مع ذلك ذهبت المحكمة العليا أي الغرف المجمعة في قرارها المبدئي رقم: 38/ 2014 الصادر بتاريخ: 15/ 07 / 2014 إلى أنّ للطعن لصالح القانون شرطان هما:

*أن يؤسس على مخالفة القرار محل الطعن للقانون

*أن لا تكون في الاستجابة له مخالفة للقانون

الفقرة الثانية: من حيث قابلية قرارات غرف المحكمة العليا للطعن بالنقض أمام الغرف المجمعة عندما تكون صادرة ابتدائيا ونهائيا

لا يمكن أنّ يشكل ما جاء في المادة: 228 من ق إ م ت إ من أنّه: ( إذا رفض طلب النقض فإنّ الطرف الذي رفعه لا يجوز له أن يطعن من جديد بنقض نفس الحكم أو القرار …. ) عائقا دون قبول الطعن شكلا في قرارات غرف المحكمة العليا التي تبت ابتدائيا ونهائيا مثل الغرفة الإدارية بها وغيرها نظرا لما سبق بيانه وللأسباب التالية:

1- أنّ المادة: 12 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تمّ اعتماده من طرف القمة العربية المنعقدة بتاريخ: 23 مايو 2004 وصادقت عليه بلادنا بموج القانون رقم: 2017/ 10 تنص على أنّ على الدول الأعضاء أن تضمن لمواطنيها والقاطنين فيها حقّ التقاضي بدرجاته (المرجع الذي أخذت منه المادة هو موقع جامعة منيسوتا) وبالتالي فإنّه انطلاقا من هذه المادة لا يمكن أن يصدر أيّ قرار من أيّ محكمة ويكون غير قابل لأيّ طعن أمام محكمة أعلى والاتفاقيات الدولية تعلو التشريع الوطني وهذا النصّ ليس من النصوص التي يشترط لسريانها تطبيق الدول الأطراف لها ذلك أنّه لا يضع التزامات متبادلة على الدول في ما بينها وإنّما يضع على كاهل كلّ دولة طرف التزامات متعلقة بصيانة حقوق مواطنيها والقاطنين بها كما أنّه لا يضره عدم النشر وذلك لأنّ الدولة الموريتانية هي المخاطبة به ويفترض علمها به انطلاقا من مصادقتها عليه كما يتضح علو درجة المحكمة العليا أي الغرف المجمعة على الغرف من أمور منها:

* ماجاء في الفقرة الأولى من المادة: 13 من ق ت ق التي تنصّ على أنّ المحكمة العليا تتكون ( من رئيس ورؤساء غرف ومستشارين) وهو ما يستنتج منه أنّ المحكمة العليا تعني الغرف الجمعة وإطلاق اسم المحكمة العليا على إحدى الغرف بها هو من باب تسمية الجزء بأصله ويحدث كثيرا في اللغة العربية

* يتضح ذلك أكثر أعني أنّ المحكمة العليا تعني الغرف المجمعة فقط من أنّه إذا كانت الوظيفة الأساسية للمحكمة لعليا هي صيانة التطبيق السليم للقانون ووحدة تفسيره وأنّ هذه الوظيفة لا يمكن أن تقوم بها إلا الغرف المجمعة نظرا لأنّ اجتهادها هو الملزم لجميع محاكم الإحالة على خلاف اجتهاد إحدى الغرف الذي لا يعتبر ملزما لمحاكم الإحالة حسب نصّ الفقرة الأخيرة من المادة: 223 من ق إ م ت

ومن جميع ما سبق مضافا إليه كثرة أعضاء تشكلة الغرف المجمعة مقارنة بتشكلة إحدى الغرف يتضح أنّ المحكمة العليا لا تعني إلا الغرف المجمعة وأنّها أعلى درجة من جميع الغرف وبالتالي جواز الطعن في قرارات غرف المحكمة العليا أمام المحكمة العليا (الغرف المجمعة ) انطلاقا من المادة: 12 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان

2- أنّ هذه المادة أي المادة: 228 تتعارض مع الشريعة الإسلامية من عدّة أوجه منها على سبيل المثال لا الحصر:

– أنّها تمنع المجتمع المسلم من ممارسة حقّ معترف له به في الشريعة الإسلامية وهو أنّه يجب عليه ممثلا في القاضي دفع الضرر عن أفراده انطلاقا من الحديث الشريف الذي تضمنته القاعة الفقهية ( الضرر يزال ) والتي ممّا تشمل أنّه عند الإضرار بأيّ أحد خاصة من المسلمين فإنّه يجب على المجتمع ممثلا في ولاة الأمور والقضاة أن يدفعوا عنه الضرر متى علموا به أو رفعه إليهم ضحيته فإن لم يفعلوا أثموا جميعا وأثمت الأمة إن لم تغير المنكر المتمثل في ظلم أحد أفرادها ويشار إلى أنّ الظلم صدح الإسلام بالنهي عنه وتوعد القائمين به والساكتين عليه ومن هنا ذهب الفقيه د/ محمد المختار الشنقيط في مقال نشره له موقع الجزيرة نت تحت عنوان الجهاد على بصيرة إلى أنّ الظلم هو السبب المبرر للجهاد في سبيل الله بل إنّ ديننا الإسلامي الحنيف قرّر أنّ ( الساكت عن الحقّ شيطان أخرس) ومن هنا يتضح أنّ سبب تقرير الميثاق العربي لحقوق الإنسان لتعدد درجات التقاضي هو تأثر معديه بالشريعة الإسلامية لذلك تكون مخالفة للشريعة الإسلامية

-أنّها تمنع المتقاضي من ممارسة حقّ معترف له به شرعا هو عرض قضيته على قاض آخر عندما يحكم عليه ابتدائيا ذلك أنّ هذا الحقّ من صميم السنة المطهرة فمن المعلوم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمح لمن جاءه بعد أن حكم عليه أحد القضاة المعينين من طرفه بأن يعرض عليه قضيته من جديد فيبتّ له فيها لذلك تكون هذه المادة مخالفة للشريعة الإسلامية من هذه الجهة أيضا

-أنّها تمنع القاضي من القيام بوظيفته التي هي رفع الظلم عن المتقاضين سواء كان سبب ذلك الظلم أحكاما قضائية أو غيرها ويكون الأمر على درجة عالية من الخطورة بالنسبة للشريعة الإسلامية إذا كان الحكم صدر انتهاكا لنص شرعي ذلك أنّ سبب تقرير الشريعة الإسلامية للتقاضي على درجتين هدفه ليس صيانة حقوق الأفراد فحسب وإنّما المحافظة على نصوص الشريعة من سوء التطبيق من طرف القضاء خطأ أو عمدا لذلك فإنّ جميع فقهاء المذهب المالكي حسب علمي المتواضع جدّا أوجبوا نقض الأحكام التي تتعارض مع نصّ قرآني قطعي الدلالة أو نص من السنة قطعي الدلالة والورود عن النبي صلى الله عليه وسلّم أو قاعدة شرعية …. كما هو مشروح في  الصفحة رقم: 94 من الجزء الأول من تبصرة ابن فرحون وغيرها من كتب الفقه كما أنّ الشريعة توجب على الجميع المساهمة في صيانتها والوقوف دون عدم تطبيقها أو سوئه ذلك أنّ الدين الإسلامي لا يقبل من معتنقه من القضاة أو غيرهم أن يكون إمّعة وإنّما يطالبه بأن يكون طرفا في معركة الدفاع عن الحقّ والحقّ في مفهوم الشريعة هو العمل بنصوصها بشكل صحيح وبذلك فإن المادة: 228 لا يمكن أن تقف دون الطعن في أيّ قرار جائر لأنّها بذلك تكون منتهكة كلّ مبادئ الشريعة الإسلامية وحديثا شريفا متضمنا في قاعدة هي قاعدة الضرر يزال كما أنّه إذا كانت الطعون وسيلة لحماية النصوص الشرعية من الانتهاك وأداة لحماية المصالح العامة والفردية يكون تقريرها واجبا لأنّ المحافظة على هذه الأمور واجبة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ممّا يجعل المادة مخالفة للشريعة الإسلامية والمجلس الدستوري في بلدنا نصّ في قراره رقم: 01/ 2010 المتعلق برقابته لمقتضيات قانون مكافحة الإرهاب على أنّ أيّ نصّ مخالف للشريعة الإسلامية يكون غير دستوري و المادة: 87 من الدستور تنص على أمور منها:

* أنّ قرارات المجلس الدستوري ملزمة للسلطات الإدارية والقضائية …

* أنّ قرارات المجلس الدستوري تتمتع بحجية الشيء المقضي به

بل إنّه ليس هناك أيّ نصّ قانوني سار في البلد حسب علمي المتواضع جدّا يحول بين القاضي العادي وبين الرقابة اللاحقة لدستورية القوانين بل هناك ما يشي بعكس ذلك ومنه:

* أنّه إذا كانت الوظيفة الأساسية للقاضي هي التطبيق السليم للقانون وهذا ليس محلّ جدل وكان من أهمّ الأسباب التي توجب على القضاة تطبيق القانون بالإضافة إلى طبيعة مهنتهم هو ما جاء في القسم الوارد في المادة: 11 من ق ن أ ق فإنّ وجوب تطبيق القاضي للدستور ورد في القسم قبل ورود النصوص الأخرى وأنّ تطبيق الدستور الذي أقسم عليه القاضي يتضمن الحيلولة دون انتهاكه فإنّه بذلك يكون على القاضي مواجهة انتهاك الدستور * أنّ المجلس الدستوري تقتصر رقابة للدستورية في رقابة سابقة على الإصدار وبالتالي إذا مارس القاضي العادي الرقابة اللاحقة لدستورية القانون لا يكون تجاوز سلطته نظرا لأنّه لا يعتدي على سلطة أي هيئة وأنّ مهمة المحافظة على التطبيق السليم للقانون خاصة الدستور مهمة مناطة بالجميع لتلك الأسباب يجب على القاضي رفض تطبيق أيّ نص مخالف للدستور خاصة عندما يدفع بعدم دستوريته أمامه والمادة:228 من ق إ م ت إ مخالفة للدستور لحيلولتها دون قيام القاضي بوظيفته بل إنّ منع المشرع للطعن في أيّ حكم أو قرار لم يعد يمنع القضاء من قبول الطعن فيه بسبب تجاوز السلطة وسبب ذلك أنّ مسؤولية حراسة الحريات الفردية والعامة للقضاء لا يمكن أن يحول أيّ نصّ قانوني بينه معها ليس لتقرير الدساتير لها فحسب وإنّما لأنّها من مقتضيات القانون الطبيعي لذلك نجد القضاء الفرنسي مهد الاهتمام بالشكل خلق بالإضافة إلى ما سبق وانطلاقا من اجتهاده طرقا للطعن في القرارات القضائية التي منع القانون الطعن فيها ومن هذه الطرق على سبيل المثال:

Appel-nullité : التي بموجبها يقبل القضاء الاستئناف في حكم أو قرار منع المشرع استئنافه ذلك أنّه حسب تعبير محكمة النقض الفرنسية ( لا يمكن لأيّ نصّ أن يشكل مانعا دون الحكم ببطلان قرار تجاوز مصدره سلطته فيه عن طريق إحالته إلى محكمة استئناف بطرق الطعن العادية ) Jean-Louis Gallet la procédure civile devant la cour d’ appel Lexisnexis et Litec 2 édition  pp 33-34-35

Pourvoi-nullité : وهو طريق يقبل فيها القضاء الطعن بالنقض ضدّ قرار منع المشرع الطعن فيه بالنقض بنص خاص ذلك أنّه في بلد يدعي أنّه دولة قانون لا يمكن أن يترك قرار ساري  المفعول رغم أنّه مشوب بعيب تجاوز السلطة Jacques Borré / Louis Borré op. cit. p 167

انطلاقا ممّا سبق وتأسيسا عليه يمكن القول بأنّ في قانونا الوطني بمختلف مصادره قواعد ومبادئ تسمح بالطعن في قرارات مختلف تشكيلات المحكمة العليا وأنّ في واقعنا الخاص ما يدفع إلى قبول هذه الطعون وأنّ قبول هذه الطعون يعدّ في كثير من الأحيان من صميم المحافظة على حقوق الأفراد وصيانة سمعة القضاء ومن نافلة القول التذكير بما لمجابهة الظلم وصيانة مصداقية القضاء من انعكاس على صيانة السلم وحلب الاستثمار … و هي أمور تدفع كلّها صوب ضرورة العمل بهذه الطعون حتى ولو تأسست على حجة نحوي ذلك أنّها من هذا المنظور تكون ممّا لا يتم الواجب إلا به وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا حسب القواعد العامة لشرعنا الحنيف

وفي الأخير أتمنى أن يساهم نشر هذا الحديث في لفت انتباه المهنيين الكبار إلى الموضوع فيتناولونه بشكل أكثر رصا