لا مندوحة من التغيير

17 أبريل,2018

يشهد البلد منذ بعض الوقت جملة من الترتيبات يطبعها التراجع تسعى فيما يبدو لكسب رهان المستقبل بالنسبة لشخص عزيز وقد أطبقت على  الفعل السياسي وشلت  روح المبادرة لكنها جعلتنا نوثق لمرحلة انحطاط معاكسة لمسار التاريخ لكي لا نكون  مثل أي دولة  في منطقتنا حتى الدول التي  لم  تعلن يوما أنها ديمقراطية  تشهد تطورا في مسارها، إن الشعوب من جهتها  تسجل بأشكال مختلفة تعاطيا واقعيا مع التاريخ أي الوعي بجملة المطالب الضرورية لعالم اليوم بتوجيه من نخبها الوطنية، فالسباق داخل القوى الوطنية يتمحور حول البناء وتنويع وتطوير سياقات الوعي والعقيدة السياسية، وعلى نحو مختلف تماما لا تشعر نخبتنا بأي انتماء لأي من دروب الوعي تلك وقد حافظنا على عقيدة واحدة ليست سياسية في الواقع لكنها هي كل ما نملك من عقيدة سياسية: أن نحافظ على نفس الموقف من الكرسي الرئاسي ولاء أو معارضة، إنه المحرك الرئيسي لسياستنا، وقد جعلنا نمرق على التصنيف في أبهى تجليات إبداعنا الدائم “على طريقتنا الموريتانية ” إنها فرادتنا مدعومة هذه المرة ، بفرادة أخرى أكثر منها غرابة. ودون أي شعور بالخجل تكاد دولتنا تكون النقطة السوداء الواضحة في محيطها الإقليمي بفعل ذلك الفهم. لقد عـَبـَر السينغال إلى ديمقراطية وظيفية وهو ينظم رابع انتخابات رئاسية شفافة توحي بالثقة في المسار السياسي، كما دشنت كل من مالي وغامبيا وساحل العاج والنيجر وبوركينا فاسو مرحلة من فرض التناوب. وفي الشمال تتقدم المغرب بخطى رائعة نحو توسيع نفوذ الحكامة وخلق فضاء عام للتسيير المحلي كما قفزت تونس تحت شعار التحول نحو الديمقراطية والبناء إلى مصاف النجاح، كل تلك التجارب تسعى لوضع آلية يحترمها الأطراف لا تضمن دائما الحفاظ على الجيدين في السلطة لكنها قادرة على التخلص من السيئين بصفة دورية ودون أن يتأثر البلد، وهذه إحدى أفضليات التناوب الجيدة التي يجب ألا نحرم منها أنفسنا. وكوننا الوحيدين العاجزين عن تتويج ديمقراطيتنا بتلك الفضيلة يبقى توبيخا عاما في حقنا، بعد عقود من النشاط الديمقراطي والتحولات تم خلالها تنظيم 15 انتخابات عامة و5 إصلاحات على الدستور وعقد عدة حوارات في سبيل ترقية المسار وسلسلة من الترقيعات للعملية الانتخابية مناخها وشروطها وأدواتها دون أن نسجل أي تقدم نحو ما حققته جاراتنا من نجاح. إننا نواجه معضلة تفسير وجيه لبعض ما يعتري مسارنا فكيف لا تكون مشكلتنا المخجلة في أن تظل الحصيلة غير إيجابية بل ودون أي نوع من الانتباه في أن تكون في البحث الدائم عن سبل خفض سقوف الأهداف والتراجع عن مضامين الإصلاحات. أليست هذه لوثة من سوء الطالع يختص بها هذا “المنكب البرزخي” بل من أجل توسيع دائرة التفاهات وإعداما للجدية، في سبيل الحافظ على مستوى متدن من الطموح في الإصلاح الديمقراطي والحفاظ على نفس النخبة المهيمنة على الحكم وعلى افرازاته أطول مدة ممكنة. لا يندرج ما يقوم به “الجنرالات “اليوم من دعم لحملات الانتساب للحزب الحاكم بل إذكاء لروح المنافسة الواسعة تحت أي التزام قانوني أو أخلاقي اتجاه المسار في حين كانت هذه الرتب في جميع أنحاء العالم توحي بمسؤولية وانضباط مهني وأخلاقي في ضوء نظرة شمولية للبلد ودعم ضمانات الاستقرار  لقد ظلت الطبقة السياسية رغم خديعة الجيش لها منذ 1978 في أنه يريد السلم والتقدم والديمقراطية للبلد تجدد له الثقة باستمرار وتحاول أن تخلص معه إلى نتيجة مرضية تضع الأمور في نصابها بالنسبة لدور ومسافة المؤسسة العسكرية من الحكم ومن السياسية، وبعد كل مرة يـُصدم البلد بطموح العسكري الجالس على الكرسي وهو يمد جذوره في الأرض إنه أمر ميؤوس منه أن يحترم قوادنا العسكريين التزاماتهم ، لقد كان اثنان (عزيز غزواني) اللذان يجثمان على المشهد الحالي هما صاحبي مبادرة جميع التعهدات بالإصلاح منذ 2005 والتي من أهمها خلق ديمقراطية وظيفية وليس اقتلاع نظام عسكري لتشييد آخر أكثر منه فسادا وأضعف منه جذورا  وأقل وطنية إننا عندما تراقصنا على أنغام البيان الأول 2005 تماما كما لو أنا نمثل حشود الفرح 12ـ 12 ـ1984 نفس الرقصة بعد  21 سنة ولم يتغير أي شيء، ومن المؤكد أننا إذا أطلقنا العنان للمأموريات فلن نودع عزيز بأحسن مما ودعنا به أسلافه إنها الأرومة عينها  رغم بعض الاختلافات الدقيقة اتجاه المال العام. لقد صار من الواقعي الاعتراف بأن الخلاص ليس من خلال البحث مجددا عن حوار سياسي أو تجييش للظروف من أجل تدخل الجيش تحت أي من الشعارات المزيفة إغراء للطبقة السياسية لكن الحل في توحيد جهود ورؤية الطيف السياسي نحو دينامية التغيير من خلال توحيد الفعل والخطاب بدفع من شرعية المطالب ومصداقية الحجج ضد نظام راكم فسادا مبرحا من أجل خلق مناخ لا مناص فيه من التغيير السياسي. لقد أكدت التجربة أن اتحاد الطيف المعارض في أي بلد يخلق التغيير مع اختلاف الثمن من بلد لآخر لقد تم دحر كل من عبدالله واد في السينغال ويحي جامى في غامبي وبليز كامباورى في بوركينا فاسو تحت تماسك المعارضة وكانا يملكان كل أوراق وخيوط اللعبة، لكن توحد المعارضة كان الأقوى عند التقاء الزمن مع سوء الأوضاع، أليست حالتنا مماثلة. لا يخامر أي مراقب أدنى ظل من شك في أن عزيز يتربع على وضع مليء بالكوابيس ـ وأقل أو يساوي في أحسن الحالات ـ وضع أولئك غداة دحرهم، وقد خسروا أموالا طائلة في الحملة وضاعفوا الوعود السياسية ويملكون حماسا وتشبثا زائدين  للاستمرار في السلطة، لكن المناخ العام كان يدعم التغيير مثل أي ثمرة نضجت. إن صاحبنا يقع في الفخ نفسه لكنه يعاني من  تسلل الضجر إليه بسبب عشر سنوات من التشنج والصراع والتناقض أي تسيير البلد بعكس مقتضى الشعارات المرفوعة على الرأس وقد أصبح كل شيء على المكشوف، لقد صار أقل حماسا للمستقبل مع هذا الوضع بالذات، وقد نـُقل عن أقرب مقربيه  أنه “تعبان ويفضل الجلوس تحت شجرة مع بعض الطيور عن هذه الوضعية” لكنه مذعن لتعنته  دون أن يقبل  بشراكة أي أحد، وهو يربط كل خيوط اللعبة بيده من أجل أن يبرهن على  قوته طيلة الوقت، ودون أن ينتبه إلى أن ذلك سينتهي خلال أقل من 16 عشر شهرا ، ومع ذلك لا زالت ثقته عمياء في قدرته على تمرير كل ما يريد بسبب نفاق شعبه وضعف معارضته  هكذا يعبر هو دائما. إنه متيقن من أنه سيفرض مشيئته على الوطن دون انحناء لأي إكراه، بل مع كامل الازدراء سيعطي التبادل على مقاساته وعلى رغبته ولا حاجة لأي طرف. لقد تلقى ولد محم تعليمات بوقف الاتصالات السرية  مع المنتدى كتعبير عن سخطه على طريقة تسريب بعض المعلومات وكأنه فيما يبدو كان يتصدق عليهم بهذه “اللفتة الكريمة” أثناء عجزهم عن تحقيق أي مكاسب بمنحهم ممثلين في اللجنة المستقلة من أصل 11 في عملية توزيع تمنح عزيز السيطرة الدائمة عليها بواسطة امتلاك الأغلبية أي 6 من أصل 11 حيث نصيب المعارضة 5 أعضاء، ودون أن يترك  للتفكير أي فرصة للتسلل إلى أنه يحاول كسب الوقت في الجانب الآخر ليس من خلال جر المعارضة لحوار جزئي آخر وتشتيتها في عدة مسارات حتى لا تخلق ظرفية التغيير، بل من خلال إشعال النار بينها على مسارين مسار نقص نصيب المعارضة المحاورة من جهة وكيفية اختيار الأعضاء  داخل المنتدي الذي يروح تحت  ثلاث تشكيلات  ثقيلة لكل منها تعقيداتها الخاصة. كم هو بارع وقد ازدريناه كثيرا. وهكذا كانت أخطاؤنا تزداد فداحة يوما بعد يوم. لقد كان الدخول في مفاوضات سرية وإلغاؤها على نحو غير مألوف  كما لوكان رمي عود ثقاب من يد سامر على الرصيف، جهدا إضافيا لإرباك المعارضة وزرع بعض الشكوك بداخلها وهي تحاول جادة بناء جسور جديدة للثقة من أجل توحيد خط السير، فهل تمكن بالفعل من تفجير اللغم في ساحتها؟ لقد تم جر المنتدى لنقاش سطحي ولا يضمن أي نتيجة بالنسبة للشفافية، فكيف نختار قضاة ونكلفهم برعاية مصالح فئوية  في حين أننا نتحدث عن مسار وطني، نحن نريد تحقيق الشفافية للجميع وعليه فإن هذه الآلية أصلا غير صحيحة، فقد كان الأولى نقاش المعايير والشروط وفتح المجال للمواطنين في التقدم لعضوية هذه اللجنة وتكوين هيئة لتقييم الطلبات وداخل هذه الهيئة تكون التقسيمة المتعلقة بالكتل السياسية، لكن أن تملك أغلبية عزيز أكثرية الأعضاء ويطلب بعد ذلك التصويت على الرئيس فهذا يعني أنه تم سلفا تحديد ذلك الرئيس بل إن عزيز كان قد قدم التزاما لأحد ما بذلك المنصب لكن مقابل ماذا؟ ليس بالتأكيد الشفافية. إنه نقاش أقرب إلى كونه هزليا. لن يحدث هذا الضجيج الوقيعة بالمعارضة وقد غيرت من جلدها لكن من قلبها أيضا فليست اليوم كما عهدنها في العقود الماضية رخوة هينة، فقد صار أكبر همها الوصول إلى التناوب وقد ألبستها عملية طعن طموح الشيخين أحمد ومسعود نبراسا من التشبث بالمصالح الوطنية والاستعداد لتقديم تضحيات عمومية حتى وإن خرجا من دائرة المكاسب الشخصية، إنها الأرضية التي ستمكن لا محالة  المعارضة الشرعية من الصمود في وجه الخطط لصدها عن المشاركة في المسلسل القادم  كما عودته دائما خاصة عندما يمانع في منح شروط الشفافية ويدفع بالأمور نحو الأمر الواقع وهو تحديد توقيت وسير العملية الانتخابية  من طرف واحد مما يضطر المعارضة للمقاطعة دائما. لقد غيرت المعارضة من مقاربتها مصوبة الأنظار نحو المسؤولية اتجاه مستقبل البلد وكيفية اغتنام فرصة تخليصه من يدي عزيز وهو يضطره للتعقيد، فبعد ما كان يغمرها الطموح الشخصي فها هي اليوم تملك القواسم المشتركة الأكثر في تاريخها، رهان التناوب رهان العدو المشترك، رهان الاستقرار، إنه تغيير كبير في العوامل الذاتية و التفكير بل هي دينامية التغيير .إن على المعارضة أن تـَنفذَ من التقوقع على الظروف الدائمة التي ظلت تقبع فيها خاصة التحجر والراديكالية: الكل أو لا شيء، إلى الصحوة السياسية التي أقل بقليل من المكيافللية بمعنى استغلال كافة الأوضاع لتحقيق الهدف الوطني، ولتكن البداية من إذاعة التصورات الجديدة وجمع أحجار بناء صرح التغيير الوطني بتوحيد الصف حول الأفكار المشتركة وبلورة رؤية عامة للمستقبل من تلك الأفكار أولا ودعم كافة المبادرات التي تسعى للتناوب ثانيا وخلق برنامج عريض يستوعب كل أشكال ومظاهر الرفض والوعي بأهمية الاستقرار والتناوب للبلد في ضوء تصور المرشح الموحد و تحديد آليات وقواعد اختياره  وخلق لجنة لتسير الفعل المعارض تنتشر في كافة أطراف البلد بتشكيلة موحدة تضم المعارضة حسب تواجدها في المناطق تقوم بالتوثيق والمتابعة والدعاية والتظلم باسمها وبمتابعة القوانين والإجراءات المتعلقة بالانتخابات ورصد جميع الخروقات وتوضيح الصورة للرأي العام المحلى والدولي عن كل ما يجري. إن الهدف الأول  هو أن تكون المعارضة قادرة على خلق بيئة فعالة للعمل ووضع جميع الهيئات أمام مسؤولياتها وفرضها على تطبيق القوانين وإخضاع النظام للمبادرة للرد وارباكه بالدخول في وضع عملي يسعى فقط لتطبيق القوانين والمساطر وخلق الشفافية وجره للصراع خارج استراتيجيته وأطره، وتقويض جميع محاولات الالتفاف على الانتخابات المقبلة التي ستكون فاصلة في تاريخ البلد بين مرحلتين عسكرية ومدنية .إنه سعد الطالع أخذ يفر لواذا من موضعه السابق ولهذا يتوجب علينا طرد الشيطان الذي يتمثل لمنا في الأنانية والرفض والصراع الداخلي. لقد أخذت المعارضة القرار بالمشاركة رغم كل الظروف وهي أول زعقة للشيطان. يتواصل.

محمد محمود ولد بكار