دحض دفاع بعض القضاة عن الدستور الموريتاني

أخر تحديث : الجمعة 24 أغسطس 2018 - 8:23 مساءً
دحض دفاع بعض القضاة عن الدستور الموريتاني

و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولائك هم المفلحون”
بعد أن عز على بعض المحامين التقيد بالواجبات الأدبية للمحاماة من علنية و وجاهية تصدى بعض القضاة لدحض رؤيتنا حول علمانية الدستور الموريتاني. و هو ما يستدعي ايراد بعض الملاحظات (أ) قبل عرض الردود(ب).

أ – الملاحظات
١ . ليس من المألوف أن يتدخل القضاة في نقاش علني على صفحات التواصل و المواقع الالكترونية (مورينيوز) لبعض الاشكالات القانونية لأن ذالك يتعارض مع واجب التحفظ المحمول على كل موظف عمومي أحرى موظفي سلك خاص هو سلك القضاء.
٢ . يؤدي تدخل القضاة في النقاشات العامة العلنية الى توقف سير مرفق العدالة لأن من أبدى رأيا في موضوع لا يمكن أن يكون قاضيه.كما أن نظر القضاة الآخرين لنفس الموضوع سيكون محرجا لهم لأنه يجعلهم في مظنة المحاباة لزميلهم والمحاباة مألوفة بين أعضاء السلك الواحد.
٣ . و لهذا حرصت على تنبيه قياديي تواصل و آخرين يدافعون عن الدستور و الإعلان العالمي لحقوق الانسان (عمل إسلامي ) إلى أني لا أفضل أن أتناول الموضوع إلا بحضور أحد القضاة المعنيين أو أحد المحامين للدفاع عن رأي زملائه القضاة لأن الأصول تحتم ذلك مع استغرابي لعرض بعض القضاة لآرائهم للعامة ومجاهرة القاضي هارون بدعوته لزملائه تحت هاشتاك:# من التحفظ -قول – الحق.
٤ . فاجأني أن القاضي الدكتور الرئيس هارون ولد اديقبي قام بنشر مقال الدكتور الرئيس يعقوب و لد آلويمين على صفحته و زكاه و قام يعقوب أو غيره بنشره على موقع مورينيوز ليقوم الاستاذ بونه ولد الحسن بنشره على مجموعة تصحيح المفاهيم.
٥ . في الوقت الذي كنت أسعى إلى أن يظل النقاش بين محامين يمارسون مهنة حرة و في حل من أي التزام بالتبعية القانونية كان القضاة قد بدأوا مرافعاتهم العلنية دفاعا عن العلمانية دون التقيد بأصول التقاضي التي يشكل اخلالهم بها خطأ جسيما مما فرض على ممارسة حق الرد.
٦ . لم يفاجئني نشر الدكتور الرئيس هارون ولد اديقبي لمقال الرئيس يعقوب و تزكيته له لأن ولد اديقبي من القضاة المعروفين بالحميّة لولد امخيطير و الانتصار لقرار الغرفة الجزائية  بالمحكمة العليا الذي قضى بأنه لا ضرر شخصي على أي مسلم في سب الله و الرسول. فقد حرك القرار المذكور عاطفة الرئيس هارون ولد اديقبي فكتب مقالا بالخط الأسود العريض بعنوان: نهولتون ياقضاة المحكمة العليا.و انضم إليه أحد قضاة محكمة الخميس الأسود بقصيدة عصماء يصف فيها الشعب المكلوم بأسوء النعوت و يقول إن ملف عرض المصطفى عليه الصلاة و السلام لا فرق بينه بالنسبة لهم و أي ملف آخر. و انضاف إلى تلك القائمة قاض آخر من الدوحة يتهم نقابة القضاة بالتقصير و العجز لأنها لم تطلب متابعتي شخصيا.
٧ . تربطني علاقة صداقة و أخوة مع الدكتور يعقوب ولد آلويمين و أرجوا أن لا تكون شابتها علاقته بولد امخيطير الأب أو موقف أخيه الأصغر الذي أشرفت على بحث تخرجه في القانون البحري و كان من أكثر الناس دفاعا عن ولد امخيطير و تهجما على شخصي عبر وسائل التواصل الاجتماعي و قناعة بأن الاجتماعي جزء من الديني(الرسول أب الزوايا).
٨ . لقد أحجمت عن الرد على القاضيين اللذين كانا في مجموعة تصحيح المفاهيم و آثرت أن يكون نقاش أطروحاتهما عبر أحد المحامين مراعاة لهيبة القضاء و صونا لمسارهما المهني لحاجة المرفق الماسة إليهما و لكنهما فرضا على نسيان تلك الهيبة. فمصدر تلك الهيبة نيابتهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و ماداما آثرا التنازل عن هيبة و شرف تلك النيابة القانونية فلا تثريب علي في الرد عليهما بالأسطر التالية.

ب _ الردود
تنوعت مفردات استدلال الرئيس الدكتور يعقوب مما فرض على اعتماد منهجية اتباع تلك المفردات دون التقيد بمنهجية علمية صارمة.
١ . المرونة و المدارس الفقهية
جزم الدكتور يعقوب أن أهل القانون يعلمون أنه مرن و أن ظهور المدارس الفقهية عائد إلى ذلك. فهذه الحيثية من الاستدلال جانبت الصواب لأن أهل القانون يجمعون على أن قواعد القانون الدستوري بشكل خاص و القانون العام بشكل عام هي قواعد بعيدة من المرونة لأنها تتسم بالجمود بل بالضبط des règles de police كما يسميها الفقيه الفرنسي المعروف في حفريات القانون و في القانون الدولي الخاص franciskakis.
و لعل الدكتور يعقوب يعرف أن الخطأ في وصف قواعد القانون الدستوري هو خطأ في فهم برنامج السنة الاولى من القانون (خصائص القاعدة القانونية) الذي يجدر بتلامذته أن يكونوا متقنين له تحت طائلة الرسوب.
و بالنسبة للمدارس الفقهية سواء في القانون أو في الشريعة لا يمكن لمهتم أن يقول إن ظهورها مرتبط بمرونة القاعدة القانونية لأن الشريعة لا تعترف بالتمييز بين الشكل و الجوهر. و القانون يأبى أن تكون مدارس فقهه مترتبة على المرونة لأن المرونة تتعلق بالخصائص الشكلية للقاعدة القانونية أي بالقانون الشكلي بينما المدارس الفقهية مرتبطة بجوهر القانون أي بالقانون الجوهري عكسا لما علل به الزميل استدلاله.
٢ . الإعلان و العهود الدولية
تناول الرئيس الدكتور يعقوب الإعلان العالمي لحقوق الانسان إلى جانب المواثيق الدولية الاخرى les pactes دون أن يتنبه إلى أنه وقع في خطأ جسيم يعود إلى أن المواثيق الدولية  هي نصوص تتضمن قواعد قانونية ملزمة بينما الإعلان العالمي لحقوق الانسان يتضمن قواعد أدبية و الفرق كبير بين الالتزام الأدبي و الالتزام القانوني (لطفا راجع أطروحة العميد ريبير la règle morale ).
و سيؤدي به هذا الخطأ إلى الوقوع في خطأ أفدح حينما يتحدث عن الإعلان العالمي كالتزام دولي و الصحيح أنه إلتزام دستوري لأن الشعب صادق عليه متن دستوره وحكم المجلس الدستوري الموريتاني بأن قواعده جزء لا يتجزأ من الدستور.
٣ . العقيدة الدستورية
في المثل العربي أن البعرة تدل على البعير أي أن الكلمة تكشف عن قناعات المتكلم. و هذا الاصطلاح يعبر عن تشيع للعقيدة المدنية لأن فقهاء عصر التنوير بعد أن أجمعوا على نفي وجود الله و اعتبروه فكرة ضائعة يجب تصنيعها(كابانيس) ذهبوا إلى أن الإلحاد عقيدة و أن الخضوع للدستور عقيدة أيضا لأن السيادة تستبعد الله ومن ثم يكون الحديث عن الدستور كعقيدة سائغا لأنه أسمى تعبير عن السيادة. و لكنكم تعرفون أن المؤمنين بالغيب يجعلون العقيدة حكر علي الايمان بما أنزله الله الذي له ملك السماوات و الارض.
٤ . الطبيعة القانونية للإعلان العالمي لحقوق الانسان
استغرب أن زميلي ركن إلى الفراسة في هذا الموضوع و أدبر عن العلم الذي حسم القضية عبر أعلى سلطة قضائية في فرنسا و في موريتانيا قبل الستينات (مجلس الدولة الفرنسي). فقد نفى مجلس الدولة الفرنسي في قرار شهير بتاريخ ١٨ ابريل ١٩٥١ – منشور في القرارات الكبرى للمجلس – عن الإعلان العالمي صفة القواعد القانونية. و قبل ذلك صرحت الامم المتحدة نفسها عبر ممثلة الولايات المتحدة و رئيسة لجنة صياغة الإعلان Eleanor Roosevelt أن قواعده لا تسعى لأن تكون لها قوة القانون أحرى أن تكون لها قوة الدستور كما فعلت موريتانيا. و طبعا أصدرت روزفلت ذلك التصريح لتهدأ من روع الدول الأوربية و الأميركية التي لم يقنعها طرح الفقيه رينيه كاسين و لا الفقيه سانتا كروز.
٥ . الدعاية للإعلان العالمي لحقوق الانسان
رغم أن زميلي يعرف أن الدول المغاربية بل كل الدول العربية و فرنسا و كندا و الولايات المتحدة ودول أخرى  لم يدسترو الإعلان العالمي لحقوق الانسان خوفا من شعوبهم  فإنه أخفى ذلك و جزم أن دساتير دول عدة منها موريتانيا دسترت الإعلان ! و هو ما يبرر طرح السؤال :لماذا نتفق مع فرنسا و دول المغرب العربي في كل صغيرة إلا في الموقف من الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي ينفي وجود الله فنفرح نحن ونرضى بما يأباه غيرنا؟ ؟ ؟ ألا يعرف القضاة الوكلاء عن الله القاعدة الشرعية:الرضى بالكفر كفر (إنكم إذا مثلهم ان الله جامع المنافقين و الكافرين في جهنم جميعا) ؟ ؟
٦ . انفراد موريتانيا بتوضيح المتمسك به من الإعلان العالمي لحقوق الانسان
بعد أن اتضح للجميع أن السعي  لتحلية الإعلان العالمي لحقوق الانسان بالصبغة الاسلامية ضرب من المستحيل طفق الدكتور الرئيس يعقوب يستحمر الجميع لأنه يجزم أن موريتانيا كانت بدعا من الدول فوضحت أن تمسكها بالاعلان العالمي لحقوق الانسان جزئي إذ لا يتعدى مبادئ الديمقراطية. و هو ما يستدعي تقديم الملاحظات التالية:
لا وجود لمبادئ للديمقراطية بالمفهوم (غير السليم) الذي يريد الدكتور يعقوب ولد آلويمين متن الإعلان العالمي لحقوق الانسان؛إذ لم ترد لفظة الديمقراطية مطلقا إلا عرضا في المادة ٢٩ أحرى أن توجد مبادئ يتمسك بها.و عليه لا وجود لمبادئ ديمقراطية  (بمفهوم الحكامة) متن نص الإعلان حتى تكون محلا للتمسك دون غيرها من قبل الدولة الموريتانية.
تفترض كل الأنظمة القانونية في المشرع عدم الجهل و أنه متثبت حي الضمير؛ مما يحتم التسليم بأن المشرع الدستوري الموريتاني على علم تام بوجود اعلان عالمي مستقل حول الديمقراطية déclaration universelle de la démocratie و إعلان عالمي آخر حول مبادئ حرية التعبير و لو كان يريدها لعبر عن ذلك صراحة؛إذ ليس من المنطقي أن نفترض أن المشرع يجهل وجود هذه الإعلانات أو أنه بدل أن يدسترها دستر الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي حدد تاريخه متن الدستور بالقول:١٠ دجمبر ١٩٤٨.
عكسا لما سعى إليه بعض التواصليين و أشياع الاتحاد من أجل الجمهورية من نسبة الدستور إلى الشيخين القمرين رحمهما الله (الشيخ بداه و الشيخ عدود) أو إلى الأساتذة الأفاضل ( محمد محمود ولد محمد صالح، محمد الامين و لد داهي، المرحوم محفوظ دداش) فإن الدستور أعده أستاذ القانون العام بجامعة انواكشوط و مستشار رئيس الجامعة حينها Didier Niewiadovski (فرنسي من أصل بولوني). فإذا أضفنا إلى هذه الملاحظة أن موريتانيا منذ ١٩٠٣ اقليما فرنسيا من أقاليم ماوراء البحار و أنها لم تنل حتى الساعة سيادتها التشريعية و أن الدستور هجين من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية و اعلان فقهاء التنوير لسنة ١٧٨٩ ، كان لزاما علينا أن نستنبأ النظام القانوني الفرنسي عن مفهوم مبادئ الديمقراطية خاصة أنه مصدر تاريخي و موضوعي و رسمي (في بعض الحالات) لنظامنا القانوني.
ان الصرامة العلمية تقتضي البحث عن مفهوم مبادئ الديمقراطية ليس لدي أهل آلويمين أو أهل اديقبي أو أهل أعمر ولد سيد أحمد و إنما لدى أهل ولد كيج و أهل Didier انيوادوفسكي.ففي الخطاب القانوني الفرنسي تعني مبادئ الديمقراطية الأسس القبلية لكل ديمقراطية أو بلغة القانون الخاص الأساس الذي تستند إليه الديمقراطية (يمكن الرجوع إلى صلاح الدين ملولي في نظرية مصادر القانون، Christian Laroument:introduction à l’étude du droit, … ). وهي بالتالي المبادئ التي لا يمكن تصور وجود الديمقراطية دونها وهي المبادئ التي يسميها ميثاق الامم المتحدة الحقوق الاساسية للإنسان les droits fondamentaux de l’homme . أي أن مبادئ الديمقراطية في القانون الفرنسي هي الحقوق الطبيعية و غير القابلة للتصرف المقررة بالاعلان الفرنسي لحقوق الانسان و بوجه خاص: المساواة في الحقوق، الحرية، الملكية، الأمن، الحرمة الجسدية، حرية الاعتقاد، حرية التعبير، الحق في الامن، بعض الحقوق الإجرائية).
و في ضوء ذلك تتضح درجة الاستحمار التي عامل بها قضاة يفترض أنهم وكلاء عن الله و رسوله -أو عن جان جاك روسو ان شاؤوا – المهتمين بالقانون و الشريعة الاسلامية و الشأن العام و تتضح أيضا رسالة واضع الدستور ديدييه الشبيهة برسالة ولد كيجة النصراني في إمامته للموريتانيين : إن مجتمعا يحكمه قانونيون هواهم العقيدة المدنية و ظاهرهم الاسلام أولى بدستوره أن يكون دستورا تنويريا (نسبة إلى عصر التنوير الذي بشر بالكفر) أكثر من دستور ديكول.
٧ – القيمة القانونية للديباجة
يكرر القاضيان المدافعان عن ولد امخيطير استحمارهما لزملائهما من القضاة و المهتمين بالصنعة القانونية فيلقي الدكتور الرئيس يعقوب بظلال من الشك على القيمة القانونية لديباجة الدستور متناسيا أن الاستشارة القانونية للجمهور التي تحظر على القضاة تحت طائلة العقوبة تخضع لواجب الأمانة. و ليس من الأمانة أن يكون المفتي في المجال الدستوري يجهل أول أو ثاني حكم صادر عن المجلس الدستوري يقضي بأن الديباجة تحظى بنفس القيمة القانونية للدستور أو يجهل أن أحكام المجلس الدستوري تحوز قوة الشيء المقضى به و تلزم الحكومة و البرلمان و القضاء. و الأدهى من ذلك أن يكون دكاترة في القانون و يمارسون القضاء ومع ذلك  لا علم لهم بتعليق أكبر قانوني في الميدان الدستوري عرفته موريتانيا في تاريخها على الحكم المتعلق بالديباجة (ببوط رحمة الله عليه).
٨ – الدين الاسلامي
دأب المتقولون على الدستور و المضللون للشعب على الحديث عن الشريعة الاسلامية مصدرا وحيدا للقانون. و حينما أفحمنا جذيل تواصل و نائب رئيس الجمعية الوطنية بأن الدستور الموريتاني بدعا من الدساتير العربية الاسلامية (خاصة مصر و قطر) لا يعترف بالشريعة ورإنما بالدِّين عقيدة انسجاما مع رؤية جان جاك روسو التي أشار إليها الدستور بايمائه إلى البعد الروحي للإسلام، طفق القاضيان يلويان أعناق أشباه جمل الديباجة للوصول إلى الاعتراف بالشريعة مصدرا للقانون وهو ما يستدعي تبيين التالي:
أبان الدستور عن رؤية علمانية روسوية للدين الاسلامي لأنه برر تمسكه بِه بالجانب الحضاري (الرؤية الناصرية) و الروحي(العقيدة المدنية و الرؤية البعثية).ولكنه نسخ هذا التمسك العلماني بإعلان تمسكه أيضا بالإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يرى أن الله فكرة و أن الدين لا يمكن أن يكون أساسا لحق أو التزام أو التمييز بين الرجل و المرأة في الزواج أو في الميراث (المثلية، المساواة في الميراث بين الرجل ورالمرأة، تطليق المرأة للرجل ….). و أمعن في نسخ التمسك بالدين الاسلامي ( الدين بمعنى العقيدة) حينما أعلن تمسكه أيضا بالميثاق الأفريقي الذي تنص مادته ٨ على حرية المعتقد.
في الفقرة التي تلي نسخه للدين الاسلامي (بمعنى العقيدة) نص الدستور على أن الحرية و المساواة و كرامة الانسان و حقوقه  يستحيل ضمانهم إلا في مجتمع لا يحتكم إلى الدين و إنما لسيادة القانون(المادة ٢).
في الفقرة التي بعدها  لم يعلن الدستور تمسكه و لا تطبيقه لمبادئ الدين الاسلامي الحنيف كمصدر وحيد للقانون و إنما برر لمن يخاطب (ولا أحسبه الشعب الموريتاني) احترامه للدين الاسلامي كضرورة للنمو الاجتماعي المنسجم أي أن احترامه لمبادئ الدين ليس عائدا إلى إيمان بمعتقد و إنما خوفا من عدم الانسجام الاجتماعي les troubles . أي أن الدستور لم يوجب استلهام الحلول من مبادئ الدين الاسلامي و إنما أشار إلى احترامه لمبادئ الدين الاسلامي le respect و هو الاحترام الذي التزمت به كل الدول الأوربية و الامريكية اتجاه الاسلام و كل الأديان تحت طائلة المسؤولية الجنائية (جريمة الكراهية الدينية).
لقد ذيل الدستور الفقرة الاخيرة التي لا صلة لها بمصادر القانون بنظرية الحداثة التي تعني الكفر بالدِّين و بالماضي و الجزم بمسؤولية الماضي عن كل عذابات و إخفاقات المرحلة. و بكلمة واحدة أنه لا دين في السياسة و لا سياسة في الدين و أن  قرار الدولة يدور مع متطلبات الحداثة التي قد تقتضي التنازل عن الاعتقاد بوحدانية الله و قد تقتضي الاستغناء عن العبادات (جمعة عمال تونس، صوم العمال في عهد بورقيبة).
و في ضوء ذلك يتجلى أن الدستور لا يعترف بالشريعة نظام حياة و لم يعترف بالدِّين عقيدة إلا ليلغيه بالاعلان أو بالميثاق أو بنظرية الحداثة.
٩ – القيد الصارم
دفاعا عن الدستور العلماني ذكرالدكتور الرئيس يعقوب – و زكاه طبعا الرئيس الدكتور هارون اديقبي – أن المادة ٧٩ تضع قيدا صارما على الاتفاقيات و أنه على أساسها يمكن استبعاد كل ما هو مخالف للدستور. و هو ما يثير التالي:
ليس الإعلان العالمي لحقوق الانسان اتفاقية دولية حتى يخضع لمسطرة المادة ٧٩ من الدستور. و أتوقع أن القاضيان سيعترفان أن علم و نزاهة مجلس الدولة الفرنسي (قرار ١٨ ابريل ١٩٥١ ) ترجحمها و كذلك تصريح روزفلت.أي أنه مادام الإعلان العالمي ليس قواعد قانونية فإن إخضاعه لمسطرة المصادقة على الاتفاقيات الدولية هو ضرب من المستحيل الذي لا يلزم به الأفراد أحرى الدول إن كان القاضيان يعترفان بالمبادئ العامة للقانون أو قواعد الصياغة: a l’impossible nul n’est tenue (الصوم على من استطاع).
لقد حكم المجلس الدستوري بأن قواعد الديباجة جزء من الدستور و أن مواد الإعلان العالمي و الميثاق جزء من الدستور و بالتالي لا يمكن أن تراقب مواد الإعلان من قبل المجلس الدستوري استنادا إلى نظرية السيادة التي تحظر على المجلس رقابة ارادة الشعب. و عليه اخطأ القاضيان خطأ بينا بحديثهما عن إمكانية مراقبة المجلس الدستوري لمواد الإعلان ليضمن مطابقتها للشريعة الاسلامية على فرض وجود الشريعة (جدلا) في الدستور.
١٠ – التحفظ
على غرار الحكومة يسعى القاضيان إلى مغالطة شعبهما المسكين فيتحدثان كما دأبت الحكومة عن التحفظ الدولى على كل مخالفة للشريعة مما يبرر الدفع بمسألتين:
ليس للإعلان العالمي صفة القواعد القانونية أحرى أن يكون اتفاقية دولية يمكن أن تكون محلا للتحفظ. و الغريب أن قاضيان يحملان شهادات جامعية كبرى و مع ذلك لا يستصحبان التمييز بين القاعدة الأدبية و القاعدة القانونية و يجاهران بامكانية التحفظ على قواعد أدبية و هي القواعد التي تفتقر إلى الالزامية أصلا.
إن إمكانية تحفظ الحكومة على نص معين بشرط المطابقة للشريعة الاسلامية مشروط بأن يكون الدستور نفسه يكرس الشريعة الاسلامية. و مادام الدستور نفسه خلو من الشريعة فإن التحفظ لمطابقتها هو نوع من التدليس و التغرير بالشعب الموريتاني و تعرية للحكومة من كل وقار أمام الجهات الحقوقية الدولية التي ستتساءل: كيف يمكن لموريتانيا أن تتحفظ على أساس المطابقة للشريعة الاسلامية و هي نفسها لم تدستر الشريعة و إنما دسترت سيادة الفرد و قداسة القانون و خضوع الأديان للتشريع ؟
١١ – العلمانية النصية  la laïcité textuelle
ترك القاضيان علم القانون جانبا و ركنا إلى فراستهما الشخصية متجاهلين أن الفراسة لا يعترف بها القانون إلا في ميادين هامشية (النسب). فلم يتردد القاضيان في الجزم بأن الدولة لا يمكن أن تكون علمانية إلا إذا قالت ذلك عن نفسها في دستورها. و هو ما يستدعي تقديم الملاحظات التالية:
إن هذا الاستدلال يمثل قلبا للمبادئ العامة للقانون و أحكام التعبير عن الإرادة في القانون العام و القانون الخاص و هي أحكام معمول بها في أغلب الدول المتمدنة و بالتالي تعتبر مصدرا من مصادر القانون طبقا للمادة ٣ أو ٦ من نظام محكمة العدل الدولية.فالفعل أبلغ مِن النطق و لسان الحال يكذب لسان النطق و الإرادة تكون صريحة بالنطق أو ضمنية بالفعل.
ان هذا الاستدلال يجانب علم القانون الذي يقوم على أن التكييف و وضع النماذج القانونية les standards بلغة الفقيه STAT ليس من اختصاص التشريع و إنما من اختصاص الفقه و فقه القضاء. بعبارة أخرى إن التكييف و خلق القوالب الفقهية من صنع فقهاء و علماء القانون و ليس من مشمولات التشريع. و عليه يعد وصف الدولة بأنها علمانية أو اسلامية عملا ذهنيا يتعلق  بتكييف و استنتاج و استنباط يقوم به علماء القانون استنادا إلى كل مصادر القانون في الدولة؛مما يحتم خروج هذا العمل عن دائرة التشريع و دخول دائرة العلم و الاستنباط ( الذين يستنبطونه منكم). و ان وجد القاضيان صعوبة في فهم فقه حبر القرءان (ابن مسعود ) فيمكنهم قبول فقه Bartin : التكييف مسألة قانون.
غريب أن ما يعتبر قدحا في الدولة الام (فرنسا) يسعى بَعضُنَا لاعتباره مدحا في الدولة الفرع (موريتانيا). فالفرنسيين يستهجنون ورود أي تكييف في النص التشريعي إذ التكييف فن فقهي بينما عندنا يسعى القاضيان لقلب القاعدة فيصبح التكييف فنا تشريعيا و التقعيد فنا فقهيا.
ليس القانون سكينا توزع بها حلوى على الأطفال على هوى الأم العطوف و إنما يخضع فن التشريع l’art de légiférer لأصول و أخلاق بحكم أن القانون يخضع لقيم تعلوا القواعد التفصيلية.و من تلك القيم الصدق و عدم التزوير نحو القانون.و من ثم اذا تقيدنا بالقاعدة التي اختلقها القاضيان (العلمانية لا بد أن ترد في النص) فمعناه أننا سنشجع النفاق و الغش نحو القانون و التغرير بالمحكومين كما هو الحال في موريتانيا؛ إذ سنمارس العلمانية فعلا و لكننا سنضلل الشعب و نستحمره بقولنا مادام الدستور لم يتضمن لفظة علماني فنحن لسنا علمانيين.
و مهما يكن فإن القاضيان عبرا في هذه النقطة عن درجة مِن استحمار القارئ عز نظيرها ولم يكلفا نفسيهما عناء تقديم مسوغ للقاعدة القانونية التي اختلقا. و الواقع أن هذا يذكرني بأحكام تصدر عن محاكمنا ( الحكم باعدام قرد، الحكم بعدم الاختصاص  لأن السيارة لها محركين و ليس واحد، الشركات لا تتمتع بالشخصية المعنوية و إنما يحكم على مالكها “قضية فكناش”، الزوايا أفضل من العرب، حجز على ممتلكات البنك المركزي، صدور أحكام المحكمة العليا باسم وزارة العدل ……)
للعودة بكم إلى القانون علما و صنعة أرفق لكم فقه أكبر عالم قانون خاص في فرنسا الْيَوْم في ميدان القانون القضائي الخاص  Serge Guinchard في الكتاب المشترك Droit processuel حيث يقول إن العلمانية التي لم تعرف في أي مكان إلا في الفقه تعني الفصل بين الديني و السياسي و أن المجتمع المدني ليس هو المجتمع الديني و أن العلمانية هي مبدأ دستوري لتسيير و تنظيم مصالح الدولة بما فيها مرفق العدالة. و علي ذلك تكون العبرة بالرؤية الني تحكم تسيير الدولة فإذا طبعها نبذ الدين و عدم الاعتداد به كانت الدولة علمانية و اذا كان الدين حاضرا في مرجعيتها الإطارية و طرق تسييرها كانت دولة غير علمانية. و لعل القاضييين أنساهما الشيطان مبدأ معروفا في القانون و الشريعة يقول: العبرة بالمقاصد و المعاني لا بالألفاظ و المباني.
من نافلة القول أن النظام القانوني التونسي يعد مثالا نموذجيا على الدولة العلمانية مع أن دستوره لم ينطق بمصطلح العلمانية. و حسبي أن القاضيان لن يجادلا محاميا في مستوى  الباجي قايد السبسي لأنه عميدهما في القانون و العلمانية.فقد صرح الأخير أن مرجعية دولته هو دستورها. و القول أن لها مرجعية تعلوا ذلك خطأ فاحش مستندا إلى مبدأ السيادة الشعبية (المادة ٢ من الدستور الموريتاني). و بالتالي يعتبر الحديث عن القرءان و عن الآيات القرءانية بالنسبة للسبسي خطأ فاحش.و غني عن القول أن تونس هي الدولة الأقرب إلى فرنسا بعد موريتانيا و لكن العلمانية يمكن أن يصرح بها في فرنسا متن الدستور ولا يمكن أن يصرح بها في موريتانيا أو تونس لأسباب معروفة و مفهومة.
و في ضوء ذلك يكون الدستور الموريتاني دستورا علمانيا لأنه لا يقيم وزنا للدين الاسلامي اتباعا لهوى بعض العلمانيين المجتثين déracinés بدل اتباع ماجاء به محمد صلى الله عليه و سلم ( لا يُؤْمِن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)؛ إذ لا يمكن لعاقل أن يكابر في أن نظرية السيادة الشعبية(المادة٢) تنفي سيادة الله و أن قداسة التشريع (المادة٤) تنفي قداسة الدين و أن حرية المعتقد و المثلية نبذ مباشر و حاسم للدين و أن إمكانية ولوج غير المسلمين لسلك القضاء بل تعيين رئيس للمحكمة العليا من غير المسلمين هي أدلة العلمنة الأكثر وفاء لعصر التنوير من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية.

سيدي المختار ولد سيدي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة المراقب الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.