بيرام ولدالداه: موريتانيا الدولة الوحيدة في العالم اليوم يولد فيها أناس أحرار و آخرون عبيد ويسجن من يناهض الاسترقاق

16 أكتوبر,2013

biram(1)

قال بيرام ولد الداه ولد عبيدي، رئيس مبادرة “ايرا” الحقوقية، ان نسبة اكثر من 50% من الشعب الموريتاني يمارس  عليها الاسترقاق، اما بصورة مباشرة اومن خلال اثاره  المترسبة مثل التمييز و الإقصاء و الدونية..

كما اتهم ولد اعبيدي النظام الموريتاني بحماية ملاك العبيد وبتعطيل جميع النصوص القانونية التي تحرم الاستعباد في موريتانيا وذلك خلال كلمة القاها يوم امس الاثنين امام اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي في ابركوسل حول موضوع الإسترقاق التقليدي في دول الساحل : حالة موريتانيا.

وهذا نص كلمة رئيس مبادرة “ايرا” بيرام ولد  الداه ولد اعبيدي، التي تلقي موقع “ديلول” نسخة منها:

“أيها الجمع الموقر:

في بلادي موراتانيا تقسيمة اجتماعية و قانونية  موروثة عن الزمن الغابر مازالت قائمة حتى يومنا هذا. المجموعات العربية البربرية المسيطرة التي تستأثر لنفسها الحق في وضع منظومة القيم المؤسسة للمجتمع وهي وحدها المخولة لتأويل النص الديني  حسب أهوائها و أغراضها.

إن هذه المجموعة المهيمنة على السلطة و المال تفرض على الكيان الاجتماعي بأكمله  طريقتها الخاصة في وضع ظروف الحياة الإنسانية فهي تفرض اللامساواة  بين الناس على أساس المولد و الدين و الجنس كتابوهات يجب احترامها كما هي،   أما أغلبية المجتمع من المطحونين السود الذين هم ضحايا في الماضي أو الحاضر للاسترقاق كمؤسسة جاهلية متحجرة خلفها النظام الطبقي الإقطاعي ، ذلك النظام الذي قدم نظرة للعالم ذات خصوصية مقدسة تعبر عن كافة مظاهر  اللاعدل و اللامساواة  في بلادي.

الدليل على ذلك ،أنه في 27 ابريل 2012 قمت أنا بنفسي و بعض رفقائي طواعية بحرق رمزي لنسخ من الكتب المشرعنة لتجارة الرقيق المعتمدة على تأويلات معادية للبشر و للشريعة,, نعم قمنا بذلك بكل وعي، فقد أردنا التعبير عن تمرد سياسي و ثقافي كثورة أخلاقية لفرض حقنا في التفكير و في حرية التعبير.  إن هذا التصرف يمثل بالنسبة لنا شكلا من أشكال العصيان الإجتماعي و الأيديولوجي ضد التدوين و التشريع و الاستدامة و التبسيط و الدونية المفروضة على الإنسان الأسود. إننا نقف ضد إخصاء الارقاء و بيعهم و  تسخيرهم للأعمال الشاقة و الاغتصاب و التعذيب ألجسدي وبكلمة واحدة فنحن  ضد كل الممارسات الإستعبادية في موريتانيا.

إن ممارسة الإسترقاق في مظاهرها الواضحة و المباشرة تطال تقريبا 20% من الشعب الموريتاني و أكثر من 50% إذا أخذنا بعين الإعتبار أثارها المترسبة مثل التمييز و الإقصاء و الدونية.. إن التحقق من هذه الإحصائيات يبقى معقدا مادامت الدولة الموريتانية تمتنع عن تناول الإشكالية من زاوية الدراسة العلمية المستندة إلى المراجع خوفا من أن تخدش الأرقام  ويظهر المستور ، و هو حجم الأقلية المهيمنة التي تحكم وتنهب الدولة . نعم ،إن الكشف عن المعلومات الصحيحة  يضع لتحرير العبيد بعدا سياسيا معاكسا لما بنت عليه النخب المهيمنة مقاييسها اليوم ، و أية مقاييس ؟

إن الدولة الموريتانية تدعي الإلتزام بعقيدة فقه إسلامي معين، و تدرس كراهية الإنسان الأسود المسترق في كافة المستويات الدراسية خاصة في المدارس المهنية التي تكون القضاة و الإداريين و ضباط الشرطة القضائية و كذلك الأئمة و أشباه الفقهاء و وزراء الدين …

بعد الحدث الثوري الذي قمنا به ، قامت الدولة الموريتانية من خلال شخص رئيس الدولة محمد ولد عبد العزيز  و الأحزاب السياسية و رجال الدين “السنيين” و صاحوا بصوت واحد منددين بالردة و التكفير و التعرض للقوانين المقدسة و بالأمن العام ، و قد طالبوا كلهم بالتوافق بإعدامنا .. رئيس الدولة الذي يعتبر نفسه المسئول الأول تعهد أمام الجميع  بتطبيق الشريعة ضدنا بوصفنا مارقين و فاسقين،  و هو في نفس الوقت يتناسى  القوانين و المعاهدات الدولية التي صادقت عليها موريتانيا و قد شمل هذا التناسي حتى القوانين الوضعية الموريتانية التي تنص على  مبادئ عامة تكفل الحق بمبدأ فصل السلطات  و كذلك أولوية القوانين الدولية على كل مرجع داخلي مهما يكن

لابد من الإشارة إلى أنه منذ ميلاد الدولة الموريتانية لم تتم إدانة شخص واحد بتهمة ممارسة هذا الجرم. و مع ذلك تبقى موريتانيا هي الدولة الوحيدة في العالم اليوم التي يولد فيها أناس أحرار و آخرون عبيد، الأخيرين هم ملكية للأولين و بالتالي يمكن أن يباعوا أو يمنحوا أو يرهنوأ أو يقدموا كهدايا .. إن موريتانيا هي آخر دولة في العالم تحرم و تجرم الإسترقاق نظريا بالتوالي في سنوات 1981 و 2007…و موريتانيا هي آخر دولة في العالم مازال فيها الإسترقاق التقليدي عن طريق المولد.

إن بلادي هي أيضا المكان الوحيد على هذه المعمورة حيث المناضلين المناهضين للإسترقاق و المستعدين للضغط من أجل تطبيق القانون يودعون السجن و يعذبون و يتعرضون للمضايقات والإذلال لمجرد كونهم نددوا بالإسترقاق و بالإستعباديين. أما بالنسبة للذين بنوا نمط حياتهم على ممارسات الإسترقاق و ربطوا شرفهم بكراهية الأعمال اليدوية و المنزلية ، فهؤلاء لا يطبق ضدهم القانون بل إنهم فوق القانون .. ففي هذه المنطقة  من الأرض ـ أعني موريتانيا ـ يتمتع ملاك العبيد “بحق” تكفله لهم الدولة في الإفلاة من العقاب

لقد نددت إيرا بعشرات الإستعباديين (العرب ـ البربر) المجرمين الذين يمارسون  الإستعباد في وضح النهار على مجتمع لحراطين ، إلا أن الإجراء القانوني يتعثر ويتوقف بأمر من اعلى السلطات في البلد : رئيس الدولة ، وزيره الأول و وزرائه و جنرالاته

الكل يحول دون تطبيق القانون فتتوقف المسطرة على مستوى قاضي التحقيق أو النيابة أو ضابط الشرطة القضائية. يوقف  التحقيق أو يتم تزويره بحيث يفلت المتهمون من العقاب و يخرجون دون أية عقوبة. إن هذا الموقف الذي هو موقف الأشخاص  القيادية قد أفرغ القانون المناهض للإسترقاق  من أي صفة ردعية و أعطى نبضا جديدا للممارسة المجرمة بعد أن عرفت بداية تراجع في العام 2007: فقد قام الرئيس السابق ، الذي أطاح به انقلاب عسكري في أغشت  2008، في حينه بحملة واسعة للتحسيس حول القانون 048/2007 المجرم للإسترقاق الذي صادقت عليه أغلبيته قبل سنة من تاريخ الإنقلاب .. فلأول مرة في تاريخ موريتانيا يصبح الاسترقاق جريمة.

السيدات و السادة

إن النص المجرم للإسترقاق يعود إلى أغصطس 2007 و منذ إصداره رسميا تتعرض منظمتي “إيرا” ـ التي مازالت محظورة بسبب نشاطها الإنعتاقي و مناهضة اللاعقاب ضد الجرائم و الجنح العنصرية ـ  لمحاكمة كل سنة و لمختلف أنواع الإذلال  و التخويف والتوقيف . فقد عانى العشرات من مناضلي إيرا شتى المعناة و الإذلال في أجسادهم و أذهانهم، بعضهم يحمل أثارا جسدية و نفسية تمثل عوائق و صدمات ناتجة عن التعذيب و سوء المعاملة . لقد تحملنا كل هذا التعذيب خلال رحلتنا النضالية من أجل فرض تطبيق القانون المجرم للإسترقاق،  فالكثير من منتسبي إيرا يخضعون   لإدانات و أحكام بالسجن النافذ أحيانا أو مع وقف التنفيذ و كذلك الغرامات المالية  . أنا بنفسي و خمسة من رفقائي نخضع حتى الآن لمتابعات بسبعة تهم ثلاثة منها عقوبتها  الإعدام و نحن نعيش تحت نظام الحرية المؤقتة .

إن العدالة المنحازة في بلادنا و القضاة التابعين للنظام الذي يستعبدنا منذ قرون يطالبوننا اليوم بأن نثق فيما يتظاهون به من عدل و مساواة  … منحازة ! نعم ، لأننا نحن لحراطين ضحايا الإسترقاق و التمييز العنصري ، نحن من يندد بالإسترقاق الذي يمارسه أفراد من المجموعة العربية البربرية على أفراد منا : إن الدولة تطبق عدالة مقلوبة : فنحن الضحايا المعرضين للثورة و فقدان الأمل نملأ السجون بدلا من أسيادنا و أبنائهم ..إن التحريف في قضية موريتانيا يكمن في مفارقة لا يمكن الدفاع عنها : و الأمثلة المؤكدة لأقوالي كثيرة و آخرها  على سبيل المثال لا الحصر قضية نورة بنت أحيمد هذه الفتاة ابنة 19 ربيعا و المنحدرة من أسرة أرقاء ، منذ كان عمرها 4 سنوات  انتزعها سيدها ـ المستعبدـ من أمها و منذ ذلك التاريخ لم تعرف إلا الأعمال الشاقة في الليل و في النهار بدون راحة و لا راتب :الأعمال المنزلية و الإغتصاب .. هي في خدمة الأطفال الصغار، حرمت كل حرارة أوعطف أبوي، كما حرمت التمدرس, و في 9 شتمبر 2013 تغيرت حياتها بعد أن تعرضت لضرب مبرح كعادتها ، فقررت الهروب و البحث عن مناضلي إيرا لإنقاذها من جحيم الرق و الدونية

قدمت إيرا ـ بدعم من نجدة العبيد ـ المساعة الفورية لنورة التي اشتكت أمام فرقة الدرك في المنطقة التي هي فيها ولكن هيهات ! فقد تعرض القانون لحجر عثرة ، فبسرعة تدخل الشيخ ولد سيدي ولد امحمد زعيم الأسرة موضوع الشكوى و إخوته و منهم رجل أعمال نافذ و وجيه سياسي تابع للحزب الحاكم  الذي يقوده رئيس الدولة الحالي . و خلال تطبيق الإجراءات القانونية جاءت الأوامر من أعلى . تلك الأوامر جعلت ضباط الشرطة القضائية يغيرون كلام نورة  بطريقة احادية و يبرئون المجرمين الذين اشتكتم الضحية حتى قبل الاستماع لهم

هكذا قررت إيرا أن تقوم بتعبئة شاملة لمناضليها  و إعلان اعتصام سلمي مفتوح  أمام فرقة الدرك المعنية . هذا التجمهر السلمي أثار حفيظة السلطات و أرسلت عشرات السيارات مليئة بالشرط و الدرك إلى أبيتلميت قادمة من انواكشوط . و قد نتج عن ذلك الاحتقان اقتحامات متكررة للإعتصام و محاولة تفريق المعتصمين ، فسقط جرحى بالعشرات من مناضلينا و منهم حالات خطيرة و زج بإثنان منا على الأقل في سجن في روصو. و هنا أضع بين أيديكم الصور التي ستعطيكم لا محالة فكرة عن حجم القمع الذي تعرض له النشطاء بذريعة عفى عليها الزمن  أقدمها بين أيديكم إسمها: الإحتجاج بدون أسلحة ضد الإفلاة من العقاب و جريمة الإسترقاق

لا أشك لحظة واحدة في أن أيا منكم ـ سادتي سيداتي ـ يعاني من بربرية كهذه في وضعية مشابهة لوضعيتنا لن يتردد في إشعال التمرد في قلب المجتمع و الدولة حتى ينهار النظام القمعي و تنتصر القيم  العليا للإنسانية”.