نحن والحمير في المنعطف الخطير!

 

قرأت كتاب الكاتب اليمني محمد مصطفى العمراني "نحن والحمير في المنعطف الخطير!"، وتوقفت عنده طويلاً. العنوان ساخر، بلا شك، لكنه يطرح سؤالاً جاداً: ماذا يحدث عندما نعتاد طريقاً إلى حد أننا نواصل السير فيه، حتى بعد أن يصبح خطراً؟

الحمار في الحكاية لا يعرف غير الطريق الذي ألفه. أما الإنسان، فيرى المنعطف ويدرك الخطر، ويملك القدرة على تغيير الاتجاه. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول العادة إلى أسلوب عمل، فيصبح تغييرها أصعب من الاستمرار فيها.

هذه الصورة ليست بعيدة عن واقعنا. فعندما تندلع حرائق أو تقع أعطال في بعض المنشآت والمحطات الكهربائية، لا ينبغي أن نبدأ الحكاية من لحظة اشتعال النار. فقد يكون الحريق الحلقة الأخيرة في سلسلة من التراكمات: صيانة تأخرت، وتجهيزات تحتاج إلى تحديث، وملاحظات فنية لم تتحول إلى قرارات، أو إجراءات لم تعد تتناسب مع حجم المخاطر.

ومما استوقفني في التعامل مع هذه الكارثة أن لجنة تحقيق كانت تتابع عمل أشخاص مكلّفين أصلاً بإصلاح المحطات ومتابعتها والتدخل على مدار أربع وعشرين ساعة. لجنة تملك من الوقت والموارد ما يكفي للتحقيق، بينما ينتقل الفنيون والمديرون في الميدان من عطل إلى آخر، ومن إصلاح إلى إعادة الخدمة، ثم يجدون أنفسهم مطالبين في الوقت نفسه بالرد على أسئلة لجنة التحقيق.

المساءلة ضرورية، لكن لها وقتها وطريقتها. أما أن يُطلب من الشخص إصلاح العطل، وإعادة الخدمة، ومواجهة الأزمة، ثم الخضوع للتحقيق في الوقت نفسه، فقد يحول التحقيق من وسيلة للوصول إلى الحقيقة إلى عبء إضافي على من يحاول معالجة الكارثة.

كأننا نقول لمن يطفئ الحريق: توقف قليلاً، واشرح لنا لماذا اشتعل، ثم عد لإطفائه!

والأخطر أن يتحول التحقيق من البحث عن أسباب الخلل إلى البحث عن شخص تُلصق به التهمة، ثم تمتد المسؤولية إلى أعوانه، وكأن تغيير الأشخاص وحده كفيل بتغيير الطريقة التي قادت إلى الأزمة.

وتذكرت قصة كانت متداولة في التسعينيات عن بائع لبن يملك عدداً من الحمير. اعتادت هذه الحمير الطريق إلى الدكاكين التي يوزع عليها اللبن، حتى صار الرجل، كلما تغيّر العامل، يوصي العامل الجديد بمتابعة الحمار؛ فهو يعرف الطريق ويدله على أماكن الدكاكين. لم يعد العامل بحاجة إلى معرفة الطريق، فالحمار يعرفه.

والمفارقة أن الحكاية نفسها تلخص خطراً قد تقع فيه بعض التحقيقات: يتغير الشخص الذي كان في الواجهة، بينما يبقى الطريق الذي قاد إلى المشكلة على حاله.

هذا لا يعني رفض التحقيق أو إعفاء أحد من المسؤولية. على العكس، التحقيق ضروري، لكن قيمته الحقيقية تكمن في معرفة الصورة كاملة: ماذا حدث؟ وما الذي سبق الحادث؟ ومن رأى الخطر؟ ومن كانت لديه صلاحية معالجته؟ وهل كانت الإمكانات والقرارات متاحة في الوقت المناسب؟

قد تكون هناك مسؤولية فردية تستحق المحاسبة، لكن قد تكون هناك أيضاً مسؤولية إدارية وفنية تراكمت على مدى سنوات. لذلك يمكن أن يكون الاستعانة بمكاتب خبرة أجنبية مفيداً، بشرط ألا يُنظر إلى الحادث بوصفه عطلاً تقنياً منفصلاً عن بيئته. فالخبير يحتاج إلى فهم العلاقة بين الإدارة والفنيين، وحدود صلاحيات كل طرف، وكيف يمكن لملاحظة فنية صحيحة أن تبقى بلا أثر إذا لم تصل إلى صاحب القرار، أو لم تتوفر لها الموارد اللازمة.

المشكلة، إذن، لا تكمن فقط فيمن كان موجوداً لحظة اندلاع الحريق، بل في الطريقة التي أوصلت إلى تلك اللحظة. وهذا هو جوهر إدارة الأزمات؛ فهي لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل قبلها، بقراءة المؤشرات، والاستماع إلى التحذيرات، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
فالمنعطف لا يخيف من يراه ويستعد له، وإنما يخيف من يراه ثم يواصل السير بالطريقة نفسها.
 محمد الأمين لحويج

سبت, 12/09/2026 - 13:13