رد مكتب المتضررين من التصحيح الآلي لمسابقة القضاة على بيان اللجنة الأخير

بسم الله الرحمن الرحيم.

رد على رد

تفاجأ الرأي العام وخصوصا أهل الاختصاص والغيرة على قطاع العدل، من بيان اللجنة الذي تدافع فيه عن عجزها في تسيير مسابقة اختيار 32 قاضيا، وتعريضها بسمعة هذه المسابقة، حين تركت مادتها العلمية عرضة للإهمال، وعدم المراجعة والتدقيق.
ولكي نضع الأمور في سياقها، ونطلع الرأي العام على حجم التناقض في البيان فإننا سنشير إلى النقاط التالية، إجمالا قبل الدخول في التفاصيل.
• لقد نشأت هذه اللجنة في سياق تطبيق النص القانوني المنظم لمسابقة القضاة، وأعطيت لها صلاحية لجنة المسابقات، وكان الأمل يحدو جميع المتسابقين أن تكون اللجنة على قدر الأمانة، وأن تستفيد من تجارب المسابقة التي عرفت تحسنا مطردا، ولكن الواقع يقول: إن اللجنة أعادت المسابقة لمرحلة أسوأ، فلأول مرة تضطر لجنة مسابقة إلى إخراج بيان يدافع عن سلامة المادة العلمية، وقد كان الإخفاق في كل التجارب يتعلق بوضعية متسابق واحد أو اثنين، ولكننا اليوم أمام هفوة علمية، تصيب مصداقية المسابقة في مقتل.
• تصر اللجنة على الإشادة بالرقمنة، وعلى تبيين مزاياها، وهو أمر لم يختلف عليه معها أحد، ولادور لها فيه، فهو عمل قطاعي وإرادة دولة كاملة في رقمنةالمسابقات، وكان دور اللجنة أن تقوم بما عليها، وهو سلامة المدخلات العلمية، وقد فشلت في ذلك في كل التخصصات.
• بدل أن تراجع اللجنة هذه الأخطاء، وتصححها، فقد لجت في الخصومة، وادعت أنها لم تلتزم بالمذهب المالكي، ولابالقانون القضائي الموريتاني، وهذا اعتراف يكفي لإدانة اللجنة قانونيا، ومؤسسيا، ويثبت عملها ضد كافة اختيارات الدولة، وتحديها للمرجعية الشرعية والقانونية للبلد، وهو قرار لابد أن تدفع اللجنة ثمنه محاسبة وردعا.
• التظلم حق يكفله القانون، وليس مجرد إجراء شكلي، والجهة التي يتظلم إليها من واجبها أن تكون محايدة منصفة، لا أن تعتبر أن التظلم انتقادا شخصيا تدخل بموجه في خصام مع المتظلمين ينبيء عن إصرارها المسبق على المكابرة وعدم النظر في التظلمات، بل إصدار بيان متشنج منفعل يقدس فئة من المتسابقين، ويصدر أحكام اتهام جزافية على فئة أخرى بالتسرع والسطحية، بدل النظر بعدل وموضوعية في تظلماتهم الوجيهة التي قدموا إليها.
إننا إذ نرفق نماذج من تخبط اللجنة في كافة التخصصات، لنبين عور بيانها، ونؤكد مضينا في كافة السبل القانونية التي تؤدي لإلغاء هذه المسابقة التي أصبحت تشكل وصمة عار في تاريخ مسابقاتنا الوطنية.

أولا: في الجانب الفقهي

1- زعم بيان اللجنة أن: "معظم الطعون في مادة: فقه المعاملات نتجت عن قراءة سطحية للأسئلة". فأي سطحية أوضح، أو تخبط أبين من صياغة أسئلة موهمة لا تحدد أي مذهب، رغم استقرار الخلاف العالي في المسألة محل السؤال (كمسألة المهر على سبيل المثال لا الحصر) ثم اعتبار حكمها في المذهب المالكي خطأ يوجب الخصم! وغيره صحيح يكسب النُّقط، ولو اعتمد المذهب -على الأقل- كخيار صحيح إلى جانب المذاهب الأخرى لكان في ذلك بعض الإنصاف، فأقل مراتب المذهب المالكي أن يكون أحد المذاهب الأربعة المجمع عليها، لكن المصحح الآلي استبعده في كثير من الأسئلة من جملة المذاهب الفقهية.
فأي منطق عقلي أو نظر موضوعي يقر هذا التخبط العشوائي، والخلط الفج بين المذاهب، ويقدم بعضها على بعض، ويعتبر اعتماد حكم المذهب الرسمي للبلد سذاجة، وعدم نباهة ينزه القاضي العدل عنهما؟!
وتركيزا على هذا السؤال الذي حظي بعناية خاصة في بيان اللجنة فاعتبرته مثالا على تجاهل "الكثير من المترشحين الصياغة الدقيقة للسؤال" حتى وقعوا "في فخ التسرع" نورد لفظ السؤال؛ ليتضح به المقال فنصه: "في سياق النكاح أي العبارات تصف بدقة الأحكام المتعلقة بالصداق؟" فأين المبرر من المشتتات الذهنية المعتمدة لدى اللجنة في صياغة هذا السؤال لاعتماد المذهب الحنبلي، واستبعاد المالكي منه؟
2- جاء في بيان اللجنة أن الأسئلة المولدة بالذكاء الاصطناعي: "حددت بعض الأسئلة في نصها: المذهب المالكي كمرجعية، في حين وجهت أسئلة أخرى نحو الفقه الإسلامي، أو جمهور الفقهاء، أو المعاملات المالية الإسلامية دون ذكر المذهب المالكي. لقد وقع الكثير من المترشحين في فخ التسرع فأجابوا وفق المذهب المالكي حصرا متجاهلين الصياغة الدقيقة للسؤال"
وردا على هذه الفرضية، والتبرير العاري من الصحة نتساءل: ما بال الأسئلة الكثيرة التي حددت المذهب المالكي واعتمدته مرجعية، اعتمد فيها المصحح الآلي الإجابات الصحيحة خاطئة، والخاطئة صحيحة، مثل أسئلة الأرقام الآتية: 7، 8، 15، 27، 33، 36، 41، 42، 60.
فكل هذه الأسئلة اشتملت على عبارة: "وفقا للمذهب المالكي" ولم يعتبر فيها المصحح الآلي: المشهور، ولا المعتمد طبقا للمذهب، بل خطأ من اعتمدهما، وخصم منه فكانت المعرفة وبالا على المترشح بدل أن تكون له.
3- ورد في التصحيح الآلي اعتماد إجابات كاذبة خاطئة باطلة في كل المذاهب الفقهية الإسلامية حتى المندثرة منها، أو الحرْفية كالظاهرية، مثل:
-  السؤال: 18 الذي لا يعتبر مصححه الآلي: "بيع كيس قمح بكيسين من الشعير يتم تسليمهما بعد أسبوع" صورة من صور ربا الفضل؟!
- السؤال رقم: 39 الذي يعتبر مصححه الآلي "شخص يبيع سلعة لآخر بثمن مؤجل" صورة من صور بيوع العينة ! 
فأي بأس في أن يبيع شخص سلعة لآخر بثمن مؤجل؟! 
بل ربما كان بيعه بهذه الصورة المحددة في السؤال من باب القرض الحسن المثاب عليه شرعا، وذلك حسب نية البائع وقصده.
أما قول اللجنة: "وبالأرقام فقد بلغ معدل نتائج المشاركين في مادة: فقه المعاملات في هذه المسابقة: 11.02/20وهو أحسن معدل للمواد الخمس" فهذا تميُّز مشهود لا منة للجنة فيه ولا دور، بل هو نتاج تكوين صلب عند أهل هذا التخصص استفادوه من مزاحمة المشايخ بالركب في المحاظر، والمعاهد والجامعات الشرعية، بله إحراز الشهادات الأكاديمية العليا.
والمعدل المذكور دليل لما قلنا من التمييز المؤسسي ضدهم من مساواة ضارب مادة القانون القضائي لضارب مادة التخصص، وابتداع مادة ثقافة قانونية لا توازيها أخرى شرعية؛ لترجيح كفة التخصصين القانونيين (المدني، والجنائي) وهو ما حدث بالفعل بشكل واضح لا لبس فيه، فكان عدد الناجحين في هذه المسابقة من أولي التخصص الشرعي يعدون على أصابع اليد الواحدة، من أصل: 32 مقعدا، بعد أن كانوا في مسابقات القضاة الماضية يتراوحون بين نسبة: 40% و 60% فأي دليل على التمييز المتعمد ضدهم أكبر من هذا؟!
واستنادا إلى معدلهم في مادة تخصصهم الذي أقر به البيان فلو سلِموا من التمييز السلبي ضدهم -الآنف الذكر- لكان أكثر الناجحين منهم، لكنه تمييز مؤسسي متعمد، أراد البيان التغطية عليه فجاء بما يرجحه لا بما يدحضه، فكان حجة عليهم من حيث أرادوا أن يكون حجة لهم.

ثانيا: في الجانب القانوني

لقد ورد إلى لجنة التحكيم كم هائل من التظلمات المؤسسة الوجيهة في مواد القانون (القانون المدني، القانون الجنائي، الثقافة القانونية العامة، القانون القضائي الخاص) وفي هذه المادة الأخيرة -أي القانون القضائي- تحديدا كانت الأخطاء جوهرية ومتعددة، بلغت نسبة الثلث من أسئلة المادة، وتعلقت بنصوص إجرائية صريحة، وبمباحث أساسية من ق ا م ت ا حيث خالف المصحح الآلي النص في 14 سؤالا من أسئلة الامتحان، وهي بالتحديد أسئلة الأرقام الآتية: 1، 11، 12، 15، 23، 24، 30، 31، 33، 37، 40، 52، 54، 55.
والسؤال رقم: 15 الذي ضربته اللجنة مثالا على أن القانون الموريتاني قد يخالف القوانين المقارنة فنؤكد على أن شروط قبول الدعوى في القانون المقارن هي نفسها في القانون الموريتاني، وليس من ضمنها: احترام آجال التقادم أو السقوط؛ مما يبرهن على جهل المصحح الآلي غير الموجه توجيها صحيحا بالقانون المقارن، والقانون الموريتاني معا.
وبالرغم من كل ما تقدم، فإن رد اللجنة على هذه التظلمات لم يتجه إلى مناقشة جوهر الاعتراضات ومواجهة النصوص القانونية التي استند إليها المتظلمون، وإنما اكتفى بمثالين فقط، وكأن حصر الرد في مثالين كفيل بتجاوز الكم الكبير من الأسئلة محل الاعتراض، رغم أن التظلمات المعروضة عليها في المواد القانونية الأساسية وحدها تجاوزت خمسة وعشرين سؤالا، توزعت على مختلف الأبواب، والمباحث القانونيةالإجرائية، والقواعد  الموضوعية المحسومة بالنصوص.
والأغرب من ذلك أن اللجنة وهي تحاول تبرير أخطائها الجسيمة، ذهبت إلى أن القاضي مطالب بمقارنة المذاهب والقوانين، وكأن هذا التبرير يصلح لتسويغ تخطئة الخيارات الموافقة للقانون الوطني النافذ، وتصويب غيرها من الخيارات والاحتمالات!
إن السؤال الذي يكون موضوعه قاعدة إجرائية نظمها المشرع ، يجب أن تكون إجابته منضبطة بذلك النص، لا بما قد يكون مقررا في مذهب فقهي، أو قانون أجنبي، أو اتجاه قضائي لا يستند إلى النص الوطني النافذ، ذلك أن مهمة القاضي الأساسية هي تطبيق القانون النافذ في حدود اختصاصه، واحترام قواعده الإجرائية والموضوعية، لا استبدالها بقواعد مستمدة من نظم قانونية أخرى، فهو لا يملك - في مجال الإجراءات على وجه الخصوص- أن يبتدع طريقا إجرائيا لمجرد أنه وجده في قانون آخر، ولا أن يقرر أجلا غير الأجل الذي حدده المشرع، ولا أن يوسع اختصاص محكمة أو يضيقه خلافا للنص، ولا أن يقرر شرطا للدعوى أو يسقطه بناء على رأي فقهي لا يجد سنده في القانون الوطني تأسيسا على القاعدة الإجرائية المستقرة: "لا إجراء بدون نص".
ومن ما سبق يظهر جليا ضعف وتهافت رد اللجنة في شقه القانوني، وأنه لم يحل إشكالا لمستشكل، ولم يرفع الظلم عن مظلوم.
خاتــــــمــــة:
أوردت اللجنة في خاتمة بيانها مبدأين أساسيين سليمين موضوعيا وعمليا لو أنها طبقتهما، أو أخذت بهما، لكنها جعلتهما قاعدتين نظريتين لا عمليتين، وخياليتين لا واقعيتين، أول هذين المبدأين:
- أنه: "وبعد ظهور النتائج وتلقي التظلمات قد تتدخل اللجان الفنية لإجراء تقييم بعدي للأسئلة والمفاتيح".
- أنها: "تؤمن بأن الخطأ وارد بشريا وتقنيا".
لكن اللجنة لم تطبق أيا من هذين المبدأين فبعد أن وردتها على المنصة من طرف أكثر من مائتي متظلم التنبيه على أخطاء جمة زادت على الثلث في بعض مواد الامتحان الأساسية، وقاربته في بعضها الآخر، وطلب المتظلمون تصحيحها استنادا إلى المبدأين السابقين المعلومين ضرورة قبل إقرار اللجنة بهما، وكنا ننتظر أن ترد على سائر التظلمات بإنصاف وعدل ومسؤوليه، إلا أنها لم تكلف نفسها عناء الرد على متظلم واحد بغير المحضر المنفعل المتحامل الجائر.
فهل يصح أن لا يكون من بين تظلم أكثر من 200 متظلم تظلما واحدا على حق؟! يستحق صاحبه الإنصاف ورفع الظلم عنه؟ وما جدوائية فتح باب التظلم مدة أربعة أيام إذا كان لا ينصف مظلوما، ولا يحق حقا، أو يبطل باطلا؟!
عن مكتب المتضررين من التصحيح الآلي لمسابقة القضاة

سبت, 26/09/2026 - 11:42