المطلب الثاني: الفساد بدافع الجشع ./القاضي محمد ينج محمد محمود

في المطلب  الأول من هذه الأسطر تحدثت عن الفساد بدافع الحاجة وفي هذا المطلب سأتناول الفساد بدافع الجشع وهو فساد يرتكبه كبار الموظفين مثل الوزراء ومدراء المؤسسات العمومية ورؤساء وأعضاء الهيئات الرقابية وهيئات الإشراف على  إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية والنواب والقضاة والحكام والولاة...(1) وعلى خلاف الفساد بدافع الحاجة يكون هذا النوع من الفساد عادة بدوافع لا تتعلق بالحاجة المادية الناتجة عن عجز الراتب الشهري  عن تأمين المتطلبات العادية  للحياة لأنّ رواتب هؤلاء تكون عادة كافية لتمكينهم من عيش معقول وإنّما تدفع إليه أمور أخرى منها:
1 ـ النزوع إلى الحصول على ثروة فاحشة عبر زيادة الذمة المالية لمرتكبه
2 ـ تدعيم النفوذ السياسي وتوسيعه عبر الحصول على ثروة طائلة يمكن بها شراء ذمم الناخبين في المجتمعات التي تتسامح مع هذا النوع من الجرائم أو حتى رشوة موظفين آخرين للحصول على مكاسب أخرى في الدول الذي ينتشر فيها الفساد (1) 
3 ـ العمل على إنشاء شبكات وعقد صلات مع فاسدين آخرين
وسيتم تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين تخصص أولاهما لأمثلة من الفساد بدافع الجشع بينما تخصص الثانية لبعض الأمور التي يمكن أن تشكل طرق علاج له
الفقرة الأولى: أمثلة من الفساد بدافع الجشع
للفساد بدافع الجشع كثير من الصور يمكن أن تشكل كلّ واحدة منها صورة من صوره ومن أهم صور الفساد بدافع الجشع وأخطرها:
1 ـ الرشوة: وهي حسب المادة: 3 من ق م ف سلوك يتجسد في طلب الموظف أو قبوله لمنافع له أو لغيره مقابل قيامه بعمل أو امتناعه عن القيام بعمل يدخل في وظيفته أو عرض منفعة عليه له أو لغيره للأغراض أعلاه ويشار إلى أنّ الفقرة الثانية من المادة: 3 أعلاه عاقبت رشوة كبار الموظفين بسجن يتراوح بين: 10 و20 سنة وغرامة تصل 3 أضعاف المبلغ المطلوب أو المقبول على أن لا تقلّ الغرامة عن خمسمائة ألف (500000) أوقية في حالة ارتكابها من طرف المنتخبين أو القضاة أو الخبراء أو وكلاء الضرائب والجمارك والخزينة العامة أو منسقي البرامج والمشاريع أو الوكلاء القضائيين أو الموظفين السامين بينما نصّت فقرتها الأولى على أنّ عقوبة الرشوة بالنسبة لغيرهم من الموظفين السجن من 5 سنوات إلى 10 سنوات وغرامة من:  100.000 إلى 200.000 أوقية
2 ـ الفساد في مجال الصفقات العمومية: ويتمثل في منح صفقة بطريقة غير قانونية لجهة معينة مقابل رشوة أو تسلم المشروع  أو المعدات موضوعها دون أن تتوفر فيه أو في المعدات المواصفات المتطلبة انطلاقا من الشروط المنصوصة في العقد ... ويشار إلى أنّ المشرع أدرك خطورة هذه النوع من الجرائم وعاقبه عبر المادة: 5 من ق م ف التي جاء فيها أنّه يعاقب بالسجن من: 10 سنوات إلى: 15سنة: (كلّ موظف عمومي أخذ أو يحاول أن يأخذ لنفسه أو لغيره بصفة مباشرة أو غير مباشرة أجرة أو منفعة غير مستحقة مهما كانت طبيعتها بمناسبة تحضير أو تقييم أو إبرام أو منح أو تنفيذ أو استلام صفقة أو عقد أو ملحق مبرم باسم الدولة أو المجموعات الإقليمية أو المؤسسات العمومية والشركات الوطنية أو أيّ كيان مملوك للدولة كليّا أو جزئا أو تمتلك فيه الدولة سلطة اتخاذ القرار) وتطبق ذات العقوبة على من يقدم أو يحاول تقديم الأجرة أو المنفعة حسب الفقرة الأخيرة من ذات المادة هذا بالإضافة إلى تجريم المادة: 6 من ذات القانون لكلّ:
ا ـ موظف (يقوم بعقد صفقة أو إبرام عقد أو اتفاقية أو ملحقات ذات صلة بها أو يؤشر عليها أو يراجعها مخالفا بذلك الأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض منح امتيازات غير مبرّرة أو الحصول عليها)
ب ـ (تاجر أو صناعي أو مقاول من القطاع الخاص وبصفة عامة كلّ شخص يقوم بإبرام صفقة مع الدولة أو أحد أشخاص القانون العام ويستفيد بصفة غير مستحقة من سلطة أو تأثير أحد موظفي الهيئات المذكورة من أجل الزيادة في الأسعار التي يطبقونها عادة أو من أجل التعديل في نوعية المواد أو الخدمات) 
ج ـ شخص يتعاقد مع الدولة أو إحدى هيئاتها (من أجل متابعة أو مراقبة تنفيذ أشغال عمومية أو استلام معدات أو أدوات وتعمد عدم القيام بواجباته أو أهملها وأدى ذلك إلى ضرر مباشر أو غير مباشر بالدولة أو بمصالحها الاقتصادية) (2)
وعقوبة الفاعل على هذا الجرم هي السجن من 5 إلى 10 سنوات وغرامة من 200.000 إلى 1.000.000أوقية 
ويشار إلى أنّ المادة: 15 من ق م ف جرمت اعطاء التعليمات بمنح صفقة أو استلامها أومنح  امتيازات غير مستحقة  أو التدخل من أجل حصول ذلك بعقوبة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات من الحبس وتطبيق ذات العقوبة على الموظف الذي نفذ تلك الأوامر ما لم يثبت أنّه تصرف تنفيذا لأوامر رئيسه وفي مجال تجب عليه طاعتهم فيه
الفقرة الثانية: أمثلة من الأمور التي يمكن أن تحد من الفساد بدافع الجشع
لا تتطلب مواجهة الفساد بدافع الجشع حلولا سحرية لأنّها لا تتطلب سوى إرادة سياسية جادة واتخاذ خطوات بسيطة لأنّ أيّ مواجهة له ستجد مساندة كبيرة من الجماهير ويمكن أن  تصبّ الخظوات التالية في اتجاه مكافحته: 
1 ـ وضع المفتشية العامة للدولة ومحكمة الحسابات في وظروف تسمح لهما بالقيام بتفتيش  سنوي شامل لكلّ الإدارات والمؤسسات الكبرى في الدولة وإعداد تقاريرها  عنها ونشرها للجمهور لأنّ علم الموظف أنّ عمله سيكون محلّ تفتيش سيساهم في ردعه عن الفساد
2 ـ تطبيق القوانين المتعلقة بمحاربة الفساد بشكل صارم وعلى الجميع ذلك أنّ أهمّ رادع هو علم الموظف أنّه سيحاسب على فساده لذلك فإنّ الفساد لا ينمو إلا في بيئة يتفشى فيها الافلات من العقاب وما يشاع من انتشار للفساد في بعض البلدان إن كان حقيقيا فإنّ أهمّ سبب له سيكون لا محالة عدم تنفيذ قوانين محاربة الفساد بشكل فعّال  
3 ـ أختيار أطر أكفاء  من المشهورين بالاستقامة والنزاهة لشغل المناصب الحساسة خاصة في الهيئات الرقابية وهيئات الإشراف على  إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية  والمؤسسات التي تتولى مهام رقابية مثل االمفتشية العامة للدولة... والمعنيين بمكافحة الفساد من أعضاء النيابة العامة.... ويشار إلى أنّ افتراض سلامة القرارات الإدارية من العيوب مبني في الأصل على أمور من أهمّها أنّها:
 ـ تصدر عن موظفين سامين مختصين تمّ تعيينهم في الوظائف التي يشغلون نتيجة لكفاءتهم ونزاهتهم
ـ أنّ هؤلاء الموظفين يخضعون للرقابة في إطار مختلف أنشطتهم الوظيفية
 ـ أنّهم يخضعون لإجراءات معينة عند إصدارهم للقرارات التي يتخذون
وغياب أيّ عنصر من  العناصرآنفة الذكر يؤدي إلى اختلالات خطيرة  ينفذ منها الفساد
 وأختم بأنّ أكبر مشكلة تعاني منها الدول الآن هي الفساد وأنّ محاربته تعد مسألة مصيرية بالنسبة للبلدان التي يوجد فيها وأنّ أزمة هذه الدول لا تكمن في انعدام قوانين تحارب الفساد بل في قدرة هذه الدول ومؤسساتها على تنفيذ القوانين وفرض  القرارات  بفعالية
ـ أهم المراجع:
1 ـ  من مارس أو يمارس الفساد من هؤلاء معروف لأنّ له ثروة طائلة لا يمكن أن تكون بحوزة موظف 
2 ـ سيتم التعرض لهذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلا عند التعرض للفساد السياسي الذي سيكون موضوع أسطر قادمة
3 ـ عدد الجريدة الرسمية رقم: 1585 الصادر بتاريخ: 15 يوليو 2025 ص 486 ـ 487 ويشار إلى أنّ لمحاربة  الفساد في مجال الصفقات تمّ إضدار كثير من النصوص التي لو تمّ تطبيقها بشكل معقول لتلاشى

ثلاثاء, 06/10/2026 - 20:25